الاقتصادات لا تواكب النمو المتسارع للطاقة المتجددة

  •  بقلم : رنا أديب

    المديرة التنفيذية لـمؤسسة " REN21"

     

    تنمو الطاقة المتجددة بوتيرة قياسية، وتمتلك القدرة على إعادة تشكيل الاقتصادات العالمية حول مفاهيم أمن الطاقة والمرونة والازدهار.

    إلا أن السياسات والأطر المالية والبنية التحتية اللازمة لدعم اقتصاد قائم على الطاقة المتجددة لا تواكب هذا النمو.

    ووفقاً للنسخة الأولى من مؤشر الاقتصاد القائم على الطاقة المتجددة (RBE Tracker) الصادر اليوم عن REN21، فإن تقنيات الطاقة المتجددة تتوسع بسرعة وتحقق فوائد اجتماعية واقتصادية واسعة، لكن الاستثمارات والسياسات والبنية التحتية لا تزال منظمة إلى حد كبير حول الوقود الأحفوري.

    وتأتي هذه النتائج في وقت تستمر فيه أزمة طاقة جديدة، تؤثر على الأسواق ومسارات الشحن حول مضيق هرمز، في كشف المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية الناجمة عن الاعتماد على الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن الطاقة المتجددة يجب أن تُنظر إليها باعتبارها أصلاً استراتيجياً لأمن الطاقة والمرونة الاقتصادية، وليس مجرد حل لمواجهة تغير المناخ.

    وقد تم تطوير المؤشر ضمن مركز الاقتصاد القائم على الطاقة المتجددة الجديد التابع لـ REN21، وهو أول أداة عالمية صُممت لقياس كيفية إعادة تشكيل الطاقة المتجددة للاقتصادات من خلال تأثيرها على أمن الطاقة والصناعة والاستثمار والبنية التحتية والمرونة والنتائج الاجتماعية والاقتصادية الأوسع. وتوفر هذه الأداة إرشادات استراتيجية لصنّاع السياسات بشأن التحول في قطاع الطاقة.

    ويُبرز المؤشر أن مصادر الطاقة المتجددة تمثل حالياً ما بين 85% و90% من إضافات القدرة الكهربائية الجديدة على مستوى العالم. ومع ذلك، لا تزال الطاقة المتجددة الحديثة تشكل نحو 15% فقط من إجمالي استهلاك الطاقة عالمياً، بينما يواصل الوقود الأحفوري توفير نحو 80% من الإمدادات.

    ويؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين نشر الطاقة المتجددة والأطر اللازمة لدعمها. وتحذر REN21 من أن هذه الفجوات تجعل من الصعب على الحكومات والمستثمرين والشركات تقييم التقدم وتصميم سياسات فعالة.

    "يدخل العالم عصراً جديداً للطاقة، لكن الاقتصاد لم يلحق بعد بالتطور التكنولوجي. لقد أصبحت الطاقة المتجددة المصدر المهيمن لإضافات توليد الكهرباء الجديدة. ويتمثل التحدي التالي في ضمان تطور البنية التحتية والتمويل والسياسات بالسرعة الكافية لإطلاق كامل إمكاناتها الاقتصادية."

    ويحدد المؤشر أربعة أبعاد للتحول في قطاع الطاقة: أنظمة الطاقة، والاقتصاد، والمجتمع، والبيئة. ومن أبرز النتائج:

    لا تزال الأنظمة الاقتصادية منظمة حول الوقود الأحفوري

    انخفض الاستثمار العالمي في الطاقة المتجددة بمقدار 70 مليار دولار أمريكي (9%) في عام 2025، في حين يواصل قطاع تصنيع تقنيات الطاقة المتجددة التوسع عالمياً، لكنه لا يزال متركزاً بشكل كبير في الصين.

    كما يواصل الوقود الأحفوري تلقي دعم مباشر يزيد بنحو ثلاثة أضعاف على ما تحصل عليه الطاقة المتجددة على مستوى العالم.

    وفي الوقت نفسه، لا تزال البيانات الشاملة حول مساهمة الطاقة المتجددة في الناتج المحلي الإجمالي وخلق القيمة والتنمية الاقتصادية الأوسع غير متاحة إلى حد كبير، مما يجعل من الصعب على الحكومات والمستثمرين تقييم المنافع الاقتصادية الكاملة للتحول.

    نمو الطاقة المتجددة لم يُحوّل بعد النظام الطاقي بأكمله

    تمثل الطاقة المتجددة ما بين 4% و5% فقط من استهلاك الطاقة في قطاع النقل عالمياً، وحوالي 10% من الطلب على التدفئة.

    ورغم النمو القياسي في قدرات توليد الكهرباء من مصادر متجددة، لم تتجاوز مساهمة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء عالمياً 33.7% في عام 2025.

    كما أن الكهرباء نفسها لا تزال تمثل نحو خُمس الاستهلاك النهائي للطاقة فقط على مستوى العالم، ما يعني أن التقدم في قطاع الكهرباء وحده، إلى جانب التوسع في الكهربة، غير كافٍ لتحقيق اقتصاد قائم على الطاقة المتجددة.

    وتظل الأنظمة السياسية مجزأة أيضاً. فعدد محدود فقط من الدول يمتلك حالياً سياسات للطاقة المتجددة تستهدف بشكل مباشر جميع القطاعات الرئيسية المستهلكة للطاقة: الزراعة والمباني والصناعة والنقل.

    التخطيط المتكامل والبنية التحتية يشكلان اختناقات رئيسية

    يوجد أكثر من 2,300 غيغاواط من مشاريع الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات في انتظار الربط بالشبكات الكهربائية حول العالم.

    وفي الوقت نفسه، ينمو الاستثمار في وسائل النقل المكهربة بمعدل يقارب ضعف معدل الاستثمار في شبكات الكهرباء، مما يهدد بتوسيع الفجوة بين الطلب على الكهرباء ونشر البنية التحتية اللازمة لدعمه.

    وللبقاء على مسار ينسجم مع هدف 1.5 درجة مئوية، يحتاج العالم إلى استثمار 5.5 تريليون دولار أمريكي في الشبكات الكهربائية ومرونة أنظمة الطاقة بحلول عام 2030، وهو مستوى يفوق بكثير الاستثمارات الحالية.

    "هذه ليست مشكلة تكنولوجية. فالتقنيات موجودة بالفعل وتتوسع بسرعة. أما التحدي الحقيقي فهو أن قرارات الاستثمار وعمليات التخطيط وقواعد السوق والأطر السياسية لم تتطور بالوتيرة نفسها اللازمة للاستفادة من مزايا الطاقة المتجددة. وستتحدد سرعة التحول بدرجة أقل بالتكنولوجيا نفسها، وبدرجة أكبر بالقرارات التي تتخذها المجتمعات بشأنها."

    "لم يعد بالإمكان قياس التحول بمجرد عدد الغيغاواطات. فالاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الاقتصادات تصبح أكثر مرونة وأمناً وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري."

    ويحدد التقرير أيضاً نقاط ضعف رئيسية في بيانات الطاقة العالمية، بما في ذلك محدودية المعلومات المتعلقة بمساهمة الطاقة المتجددة في النمو الاقتصادي، وسلاسل التوريد، والمرونة، وهياكل الملكية، والاقتصاد الدائري.

    "لا يمكننا إدارة ما لا نقيسه. فما زالت بعض أكبر العقبات والفرص في عملية التحول غير مرئية إلى حد كبير في أنظمة البيانات العالمية."

    وتدعو REN21 إلى تعزيز تتبع مساهمة الطاقة المتجددة في التنمية الاقتصادية والصناعية والمرونة وأمن الطاقة على المستوى العالمي، مؤكدة أن توفير أدلة وبيانات أفضل أمر أساسي لاتخاذ قرارات سياسية أفضل وتسريع التحول في قطاع الطاقة وتوسيع نطاقه.

    وقد تم تطوير مؤشر الاقتصاد القائم على الطاقة المتجددة من خلال تعاون بين صناع السياسات والباحثين وممثلي الصناعة ومنظمات المجتمع المدني عبر شبكة REN21.

     

    ويُعد أول إصدار رئيسي ضمن مركز الاقتصاد القائم على الطاقة المتجددة الجديد التابع لـ REN21، وهي مبادرة عالمية تهدف إلى قياس كيفية مساهمة الطاقة المتجددة في تحويل الاقتصادات حول العالم.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن