بقلم : خالد حسن
يمكن أن نتفق جميعا على التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد مجرد رفاهية بل قوة تعيد تشكيل العالم ولكن فى نفس الوقت سوف نختلف عند الحديث عن المخاوف الحقيقية من سرعة تطور تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصناعي مثل فقدان السيطرة، الانحياز، الخصوصية، وتزييف الواقع .
وأكدنا فى نفس هذا المكان ، الاسبوع الماضى ، ان العالم يمر بمرحلة تحول تاريخي تتسارع فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي لتدخل في أدق تفاصيل حياتنا اليومية وأنظمتنا الحيوية؛ ولم يعد الأمر مجرد طفرة تقنية لزيادة الإنتاجية، بل أصبحت هذه الأنظمة قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة تعيد تشكيل مفاهيم العمل، والأمن، والخصوصية.
ومع هذا التسارع الفائق ونشوء أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة (Agentic AI) والأغراض العامة (GPAI)، يبرز السؤال الوجودي الأهم: كيف نضمن تطوير هذه التكنولوجيات بشكل مسؤول يحمي المجتمعات ويضمن بقاء دفة القيادة والسيطرة المطلقة في أيدي البشر؟
الإجابة الحتمية ، كما اشرنا اليها هنا الاسبوع الماضى ، تكمن في صياغة سياسات حكومية صارمة وتفعيل دور الجهات التشريعية لتحويل المبادئ الأخلاقية الفضفاضة إلى أطر قانونية ملزمة.
وفى هذا الاطار عقد " المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة " اجتماعًا برئاسة المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث تناول خلاله عددًا من الموضوعات المعنية بتعزيز قدرات مصر في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، وتطوير أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي كما ناقش المجلس عدد من الموضوعات من أبرزها التكليفات الرئاسية بشأن الحوكمة وسياسات الاستخدام المسئول للذكاء الاصطناعي التوليدي في الجهات الحكومية كما استعراض الدور البارز الذي تضطلع به مصر عربيا وأفريقيا على المستويين الفني والتنسيقي في مجال الذكاء الاصطناعي كما استعرض المجلس ملامح الاستراتيجية الوطنية للحوسبة الكمومية 2027–2030، التي تستهدف بناء منظومة وطنية متكاملة وآمنة ومستدامة للتكنولوجيات الكمومية، من خلال الاستثمار في تنمية المواهب والبحث العلمي وتوسيع الوصول الى البنية التحتية الداعمة، وتسريع تطوير التطبيقات الوطنية ذات الأثر، وتعزيز الابتكار عبر المؤسسات الأكاديمية والحكومة والصناعة، بالإضافة إلى رفع جاهزية مصر للاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيات والتعامل مع مخاطرها.
ولعل من أهم ما تطرق إلية الاجتماع ، من وجهة نظرى ، مناقشة عددًا من الأدوات لحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتي تشمل الدليل الإرشادي لمشتريات أنظمة الذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية، وسياسة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي في الجهات الحكومية، بالإضافة إلى الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول للأطفال الذي يمثل إطار سياسات وطني لحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تؤثر على الأطفال في مصر، ويستهدف حمايتهم من المخاطر المرتبطة باستخدام هذه التقنيات، بما في ذلك المحتوى الضار والاستغلال والتحيز وانتهاك الخصوصية، مع توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي لدعم التعلم والإبداع والدمج وتكافؤ الفرص، وتحقيق مشاركة فعالة من خلال إشراك الأطفال في تصميم وتقييم الأنظمة التي تؤثر عليهم حيث يستند الإطار إلى الدستور المصري وقانون الطفل وقانون حماية البيانات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة
واتساقا مع ما ناقشة المجلس من ضرورة حوكمة الذكاء الاصطناعي فأننا نؤكد أن تطبيق سياسات الحكومة للذكاء الاصطناعي المسؤول ليس نوعاً من الترف التشريعي أو محاولة لعرقلة الابتكار، بل هو ضرورة وطنية لحماية الحقوق الأساسية وصون السيادة الرقمية للأمم وتبدأ هذه العملية من خلال نقل "الأخلاقيات النظرية" إلى آليات تنفيذية داخل المؤسسات .
وفى تصورى ترتكز عملية " حوكمة الذكاء الاصطناعي" على ثلاثة محاور رئيسية أولها " الشفافية وقابلية التفسير " من خلال إلزام الشركات المطورة بتوضيح الآلية التي تبني عليها الخوارزميات قراراتها، مما يمنع ظاهرة "الصندوق الأسود" التي تحجب منطق الآلة عن المراجع البشري.
اما المحور الثاني فهو" المساءلة القانونية الواضحة " اذ يجب تحديد المسؤولية المدنية والجنائية بوضوح عند حدوث أخطاء خوارزمية؛ وهل تقع المسؤولية على عاتق المطور، أم الشركة المشغلة، أم المستخدم النهائي؟ على حين ان المحور الثالث يتمثل في " مكافحة الانحياز وضمان العدالة "من خلال تطبيق آليات فحص دورية للكشف عن التحيزات العرقية، أو الجنسية، أو الطبقية في بيانات التدريب لمنع تكرار الممارسات التمييزية وتعميق الفجوات المجتمعية.
فى اعتقادى اننا نحتاج الى وضع خارطة الطريق التشريعية ويأتى فى مقدمتها دور البرلمانات والمؤسسات القانونية حيث تمتلك الجهات التشريعية اليوم القوة الأكبر لوضع "مكابح الأمان" قبل أن تفلت التكنولوجيا من الزمام. وقد بدأت ملامح هذا الحراك التشريعي العالمي تتبلور بشكل حاسم؛ حيث دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) حيز التنفيذ ليمثل أول إطار قانوني شامل قائم على المخاطر في العالم، بينما سارعت دول أخرى مثل كوريا الجنوبية لإصدار "قانون إطار الذكاء الاصطناعي" لمواجهة التحيز وحماية المستهلك.
ولتحقيق رقابة برلمانية وتشريعية فعالة، يؤكد الخبراء القانونيين انه يجب أن تتبنى القوانين الوطنية عدد من النقاط أولها " التصنيف القائم على المخاطر" لحظر الأنظمة ذات "المخاطر غير المقبولة" بشكل قاطع ،مثل أنظمة التقييم الاجتماعي الجماعي أو التلاعب النفسي السلوكي، مع فرض قيود مشددة واختبارات أمان صارمة (Red Teaming) على الأنظمة عالية المخاطر كذلك اشتراط وجود مراجعة وإشراف بشري مباشر على القرارات الحساسة اذ يجب ألّا تُترك القرارات المصيرية المتعلّقة بالرعاية الصحية، أو القضاء، أو التوظيف، أو الأمن لتقدير الآلة المنفرد؛ حيث يتعين قانوناً إدراج مراجعة وإشراف بشري مباشر يمتلك سلطة نقض وإلغاء قرار نظام الذكاء الاصطناعي.
كذلك يجب التوسع فى تطبيق مفهوم البيئات التنظيمية التجريبية (Regulatory Sandboxes) من خلال إنشاء مساحات خاضعة للرقابة الحكومية تتيح للمبتكرين والشركات الناشئة اختبار تقنياتهم تحت عيون المنظمين، مما يضمن تقييم المخاطر قبل طرح التطبيقات للعامة ومنحها تراخيص مع إلزام الشركات الكبرى بإجراء اختبارات أمان صارمة (Red Teaming) قبل طرح أي نموذج ذكاء اصطناعي فائق.
وهنا يجب ان نؤكد على أهمية تحقيق الموازنة الصعبة بين "قوانين الحوكمة "لحماية البشر و" تحفيز الابتكار" وعدم خنق الإبداع ، لاسيما فى ظل وجود بعض الاراء وشركات التكنولوجيا الكبرى والتى ترى أن التنظيمات الصارمة قد تقتل جذوة الإبداع وتؤخر اللحاق بالركب التكنولوجي ، ولكن بالنظر إلى الواقع، فإن القوانين الواضحة لا تعني التعطيل، بل توفر بيئة قانونية مستقرة وآمنة تزيد من ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.
إن التشريع هنا لا يعمل كـ "مكابح" لإيقاف حركة التقدم، بل كـ "حزام أمان" يضمن القيادة بسرعة دون التعرض لحادث مميت. على سبيل المثال، نجد أن الاستراتيجيات الوطنية الحديثة—كالتي يتبناها المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي في مصر في خطته الممتدة حتى 2030—تسعى للموازنة بين حشد الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا، وبين صون الفضاء المعلوماتي وحماية الخصوصية بموجب أحكام الدستور وقوانين حماية البيانات.
فى النهاية نؤكد أن مستقبل البشرية أكبر من أن يُترك لقرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة في مجالس إدارات شركات التكنولوجيا العابرة للقارات. إن بقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية ليس خياراً تكنولوجياً، بل هو واجب تشريعي وسياسي وأخلاقي وصياغة القوانين الملزمة اليوم وتطبيق حوكمة صارمة هي الخط الفاصل بين تكنولوجيا تعمل كأداة لتمكين الإنسان وازدهاره، وبين تكنولوجيا تتحول إلى سيد يفرض شروطه على المجتمعات ونكرر أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة في يد الإنسان، لا سيداً له، وأن صياغة القوانين اليوم هي التي ستحدد ملامح الغد.








