بقلم : لطيفة زناينة
مستشارة أولى في استراتيجية الذكاء الاصطناعي والبيانات، محلِّلة بيانات متخصِّصة في فنادق الرفاهية مكتب استشارات Elite Consulting Paris
كنتُ هناك. صباح الثلاثاء، في القاعة السابعة، ببوابة فرساي. كان الممرّ الأوسط مكتظّاً منذ الساعة التاسعة وعشر دقائق، وهذا التفصيل وحده يقول كلَّ شيء.
في عشر سنوات، تحوّل معرض فيفاتيك من مغامرةٍ باريسيةٍ إلى أكبر محفلٍ تقنيٍّ في أوروبا. وقد تجاوزت هذه الدورة، دورة الذكرى العاشرة، حاجز ٢٠٠٠٠٠ زائر، وفدوا من ١٦٥ بلداً، يرافقهم أكثر من ١٥٠٠٠ شركةٍ ناشئة وقرابة ٤٠٠٠ مستثمر.
وعلى الجدران، شعارٌ مكتوبٌ بلا زخرف: «أثرٌ لا وهم».لم يكن هذا الشعار محض صدفة. بل كان اعترافاً.
أرقامٌ تُبدِّل الموازين
طوال سنوات، كان الذكاء الاصطناعي يُباع في صورة عرضٍ استعراضي. روبوت محادثةٍ يكتب رسالةً إلكترونية. آليٌّ يرقص أمام الكاميرات.
أمّا في عام ٢٠٢٦، فقد تبدّلت اللهجة. وتبدّلت المبالغ معها في حجمها.
← ٦٥٥ مليون يورو: خطة الذكاء الاصطناعي العامة التي أعلنتها الدولة، موجَّهةً إلى بنى الحوسبة والبحث العلمي.
← ١٣ مليار يورو من رؤوس الأموال الخاصة جرى حشدها عبر المرحلة الثالثة من «مبادرة تيبي»، مع هدفٍ مُعلَنٍ يبلغ ١٥ مليار بحلول نهاية عام ٢٠٢٦.
← ٨٩٠ مليون يورو جمعها يان لوكون لمؤسَّسته الباريسية الجديدة، AMI Labs.
← ١٢ مليار دولار لشركة Prometheus، الشركة الناشئة في «الذكاء الاصطناعي المادّي» التي يملكها جيف بيزوس — وهي من أضخم جولات التمويل هذا العام.
← وفي الخلفية، معطًى من مكتب PitchBook يختصر المشهد كلَّه: في عام ٢٠٢٥، استحوذ الذكاء الاصطناعي على ما يقارب ثُلُثَي القيمة الإجمالية لرأس المال المُخاطِر في العالم.
وحين يستحوذ قطاعٌ واحدٌ على ثُلُثَي المال الذكيّ على هذا الكوكب، فلم يَعُد ذلك مجرّد اتّجاه. إنه انزياحٌ في مركز الجاذبية.
التفصيل الذي لم ينتبه إليه إلا القليل
إنّي أرقُبُ هذه المعارض من أرضٍ بعينها: أرض الضيافة الاستثنائية، أرض القصور الفندقية، أرض الزبون البالغ القيمة. ومن هنا تحديداً يغدو المؤشِّر مُقلِقاً.
كانت Booking.com شريكاً ذهبياً للمعرض. منصّةُ توزيعٍ تجلس في الصف الأول من حدثٍ مكرَّسٍ للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة إلى مديرِ دارٍ استثنائية، تساوي هذه الصورة كلَّ التقارير.
ذلك أنّ القطيعة الحقيقية لهذا العام تجري في طبقةٍ خفيّة: الذكاء الاصطناعي الوكيل بدأ يتسلّل بين المنشأة وزبونها.
بالأمس، كان الوسيط يقتطع عمولة. وغداً، سيكون وكيلٌ مستقلٌّ هو من يقارن ويفاوض ويحجز — من دون أن يفتح موقعك قطّ.
مَن يملك زمام البيانات يملك زمام الوصول إلى المسافر الثريّ. ومن يُسلِّمها لغيره يُموِّل هامش ربح سواه.
تلك هي النقطة العمياء. لا الروبوتات الراقصة. بل إزالةُ الوساطة في صمت.
عالَمُ الرفاهية أدرك ذلك قبل الجميع
أحد المؤشِّرات تركَ في نفسي أثراً يفوق سواه. اعتلى برنار أرنو المنصّة، ونشرت مجموعة LVMH رواقها «Dream Gallery»، واجهةً للذكاء الاصطناعي المطبَّق على سلسلة القيمة كاملةً، من الإبداع إلى تجربة الزبون.
وقد تلخّصت رسالة أرنو في جملةٍ واحدة: التقنية ليست غاية، بل رافعةٌ في خدمة الرغبة والتميُّز.
ومؤشِّرٌ آخر: انضمّت مجموعة Accor إلى مبادرة GenAI footprint، إلى جانب Publicis وAXA وOrange وL'Oréal، لقياس الأثر البيئيّ للذكاء الاصطناعي التوليدي.
لم تَعُد كبرى الدُّور تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه لعبةً عابرة. بل صارت تُدمجه في حوكمتها وصورتها ومسؤوليتها.
والدرس واضحٌ لمن أراد أن يعي: لم تَعُد العلامات الفاخرة تُقابل الإنسان بالآلة. بل تستعمل الآلة لتجعل الإنسان أندرَ وأصدقَ وأعصى على الاستبدال.
السيادة لم تَعُد شعاراً
خيطٌ أخيرٌ كان حاضراً في كل مكان: السيادة الرقمية. فقد استبدلت الدولة بعض حلول الشركة الأمريكية Palantir بجوهرةٍ فرنسية ناشئة هي ChapsVision. وقدّمت فرنسا وألمانيا خارطة طريقٍ مشتركة.
وصار ٩٢٪ من القادة المستطلَعين يُصرِّحون بأنهم يُفضِّلون مزوِّداً محلياً.
فلتُسقِط هذا على دارٍ تحتفظ بأكثر بيانات زبائنها حساسية عاداتهم، ومساراتهم، ونفقاتهم، وأدقّ تفضيلاتهم الخاصة.
أين تُحفظ هذه البيانات؟ ومن يملك مفاتيحها؟ وماذا يحلّ بالعلاقة مع الزبون يوم تُبدِّل المنصّةُ التي تديرها شروطَها؟
هذه الأسئلة لم تَعُد من باب الامتثال القانوني. بل صارت من صميم الاستراتيجية المتعلِّقة بالإرث.
خلاصة ما استخلصتُه من الميدان سيبقى « فيفاتيك ٢٠٢٦ « في الذاكرة بأرقامه القياسية ووجوهه اللامعة. غير أنّ الوقوف عند ذلك يعني تفويت الجوهر.
تكشف هذه الدورة عن تبدُّلٍ في النظام بأسره: الذكاء الاصطناعي يغادر المختبر ليصير واقعاً تشغيلياً، إمّا أن تُدمجه أو أن تخضع له.
لم تَعُد المليارات تُموِّل الوعود. بل تُموِّل الطبقة التي ستقرِّر، غداً، مَن يصل إلى أيّ زبون، وبأيّ سعر، وفي أيّة لحظة.
والمنشأة التي ستسود العقد المقبل لن تكون صاحبة أجمل جناح.
بل ستكون تلك التي تعرف، قبل الجميع، مَن سيرغب في المبيت فيه.








