نبضات حج 2026.. وتسخبر التكنولوجيا لخدمة ضيوف الرحمن

  •  

    بقلم : خالد حسن

    وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاًوَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏.‏ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاًوَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ .‏ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ .‏ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ .‏ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ "‏"  

    صدق الله العظيم

    منذ أن أذن الخليل إبراهيم -عليه السلام- في الناس بالحج، وأفئدة المسلمين تهوي إلى مكة المكرمة من كل فج عميق واليوم، تشهد المشاعر المقدسة في عام 2026 ثورة تقنية غير مسبوقة، حيث يمتزج نداء الوحي الإلهي بأحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية، تجسيداً للأمر الرباني بتسيير وتسهيل هذه الرحلة الإيمانية العظيمة.التسهيل والتيسير..

    وبالطبع فإن توظيف التكنولوجيا في الحج ليس مجرد رفاهية، بل هو تحقيق مباشر لجوهر الشريعة الإسلامية القائمة على التيسير ورفع الحرج؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.

    وتشهد المشاعر المقدسة هذا العام، بقيادة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ووزارة الحج والعمرة، توظيفاً غير مسبوق للحلول التكنولوجية، محولةً إدارة الحشود من "إدارة ميدانية" إلى "إدارة بيانات لحظية" وفي هذا السياق، يأتي تطبيق "نسك" الذكي ليختصر مشقة الإجراءات، مانحاً حجاج بيت الله الحرام منصة موحدة تدير رحلته من التصاريح إلى التفويج، امتثالاً للتوجيه النبوي الكريم في حجة الوداع عندما كان النبي ﷺ يُسأل عن تقديم بعض المناسك أو تأخيرها فكان يقول: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».

     

    وتفعيلاً لواجب الضيافة والإكرام الذي حث عليه النبي ﷺ بقوله: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» وتتجلى رعاية ضيوف الرحمن في تطبيق الأجهزة المحمولة التي تنهي الإجراءات البيومترية (بصمة العين والوجه) فمنذ لحظة وصول حجاج بيت الله الحرام الى الاراضى السعودية توفر منصة "سواهر" تحليلات الفيديو الحية وحرارياً لضمان سلامة المواقع فى المطارات المخصصة وخلال 40 ثانية يتم تسهيل الدخول وفي خطوة نوعية لخدمة ضيوف الرحمن قبل وصولهم، طورت "سدايا" أجهزة محمولة ذكية تُستخدم في 17 منفذاً دولياً، تتيح تسجيل الحجاج بيومترياً (بصمة الوجه والعين) في 40 ثانية فقط، لضمان إنهاء الإجراءات آلياً وسرعة الدخول عبر المنافذ السعودية .

     

    كذلك تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي إدارة الحشود بافضل صورة ممكنة فى كافة خطوات رحلة الحج حيث ان حماية الأنفس من الضرر والزحام من الأولويات التى توليها الشريعة الاسلامية اهمية كبيرة وهنا نود الاشارة ، وفقا لما أعلنته السلطات السعودية المعنية بتنظيم مشاعر الحج هذا العام ، أن يتم الاستعانة بأكثر من 15,000 كاميرا مراقبة ذكية وطائرات بدون طيار (Drones) مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي  قادرة على تحليل تدفقات البشر في منى، وعرفات، وجسر الجمرات في الوقت الفعلي وارسال التنبيهات والتحذيرات لإدارة الحشود لحظة بلحظة، مما يقلل الاختناقات البشرية وينقل الصور جواً لغرف العمليات.

     

    وهذا النظام التنبئي يمنع التكدس قبل حدوثه، وهو ما يخدم المقصد الشرعي الأعلى لحفظ النفس البشرية، مصداقاً لقوله سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

     

    كما كشفت السلطات السعودية عن اعتمادها على تحليل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، وتحديد مسارات الطوارئ بشكل آلي، مما يضمن انسيابية الحركة في كافة مناطق المشاعر ، خاصة في منى وعرفات ، مع تفعيل تقنيات التعرف على الوجوه عبر الكاميرات الذكية للمساهمة في سرعة العثور على المفقودين والتائهين من الحجاج لاسيما من كبار السن والذين يتعرضون فى الكثير من الاوقات لنسيان اماكن اقامتهم او تواجدهم فى المشاعر المقدمة .

     

    وفى تصورى من أهم اجراءات التحول الرقمي فى مناسك رحلة الحج ، ولاسيما فى 2026 والذى شهد التوسع فى إصدارها ،  بطاقة "نسك" الرقمية والتى تعد بمثابة مفتاح رحلتك الذكي يحيث يعد تطبيق "نسك" (Nusuk)، المدعوم بـ "توكلنا"، العمود الفقري للرحلة، حيث يلزم كل حاج بامتلاك بطاقة نسك الرقمية التي تحتوي على كافة البيانات الشخصية والطبية والسكنية كما  يتيح التطبيق إدارة التصاريح، جداول التفويج، حجز المواعيد (الروضة الشريفة)، ومراقبة كثافة الحشود في الوقت الفعلي.

     

    فى إعتقادى من المهم أن نؤكد أن رحلة الحج والعمرة لم تعد مجرد رحلة لأداء مناسك، بل تحولت في عام 2026 إلى تجربة رقمية فائقة الذكاء، حيث تتقاطع القيم الإيمانية مع التطور التقني لضمان سلامة وراحة ضيوف الرحمن فمن أهم المزايا المتاحة لحجاج بيت الله الحرام هو امكانية تشغيل بعض تطبيقات المحمول" بدون الحاجة الى الاتصال بشبكة الإنترنت " اذ  توفر تطبيقات مثل "المطوف" خرائط تفاعلية دقيقة لا تحتاج لاتصال بالإنترنت، لمساعدة الحجاج على التنقل في مناطق المشاعر.

     

    كذلك تم نشر العديد من الروبوتات الذكية والتواصل بلسان عالمي تنتشر في ردهات الحرم المكي وهى روبوتات تفاعلية للقيام بمهام الإرشاد وتجيب على فتاوى واستفسارات الحجاج بأكثر من 15 لغة عالمية ، يدعمها تطبيق "مبرور" التوعوي ، مما يسهل التواصل مع مختلف الجنسيات وتوزع المصاحف والماء إلكترونياً دون تدافع.

    هذا التنوع التقني يترجم عظمة الإسلام الذي يخاطب البشرية كافة، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} ، لتذوب فروق اللغات أمام شاشة ذكية ترشد الحاج إلى نسكه الصحيح.

    عمارة المسجد الحرام رقمياً لقد تطورت العمارة من البناء الحسي إلى العمارة الرقمية التي تضمن سلامة الحجيج؛ حيث تُدار منظومة النقل التي تشمل 33,000 حافلة ذكية  و5000 الاف تاكسي عبر غرف عمليات رقمية توجّه الحافلات للمسارات الأقل ازدحاماً.

     

    كما يمكن للحاج فى رحالة العودة الى ارض الوطن التخلص من عبء حمل الامتعة والاستفادة من مبادرة " إياب " لإنهاء إجراءات الأمتعة إلكترونياً قبل المغادرة بـ 24 ساعة بحيث يتم الانتقال الى المطار وانهاء إجراءات إصدار بطاقات الصعود إلى الطائرة وبطاقات الأمتعة قبل وصول الحاج للمطار، مما يتيح مغادرة الحجاج للمطار بيسر وسهولة لتجنب الازدحام.

     

    إن هذا الإتقان التقني يجسد الحديث النبوي الشريف: «إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عَمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتْقِنَه» .

     

    ومن ثمة فان رحلة الحج باتت تجربة مستدامة ومبتكرة تعتمد على الحلول التكنولوجية الذكية لتوفير أقصى درجات الأمن واليسر، فالتكنولوحجيا حولت الحج إلى موسم ذكي يتحرك بيسر وسهلة بواسطة جمع وتحليل وإدارة مليار البيانات في الثانية من أجل الحصول على معلومات صحيحة وموثقة .

     

    يا ربّ هؤلاء حجيج بيت الحرام، نحو 1.5 مليون مسلم ، جاؤك من مختلف بقاع الارض مُعظِّمين لهذا البيت ببكة المكرمة ، ولهذه المشاعر المقدسة لفريضة الحج ، فإنما كان ذلك صادرًا عن أمرك، وعن عبوديتنا لك، وعن إذعاننا وانقيادنا؛ إذ أمرتنا فأتينا مُستجيبين، ودعوتنا فأتينا مُنقادين طائعين، فنحن إنما نفعل ذلك امتثالاً وعبوديةً وتقربًا، وقلوبنا عامرة بتوحيدك وإفرادك بالعبادة دون ما سواك، وألسنتنا لاهجةٌ بهذا الإقرار، ونفي الشُّركاء اللهم لا تحرمنا أجرهم وأكتب لنا زيارة بيتك الحرام . 

     

    فى النهاية فان حج عام 2026 يبرهن للعالم أن الإسلام دين يتناغم مع العصر؛ فبينما يلهج لسان الحاج بالتلبية: "لبيك اللهم لبيك"، تتحرك خلفه منظومة رقمية ضخمة تحلل مليارات البيانات في الثانية لتضمن له رحلة آمنة وميسرة، محققةً الوعد الرباني: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} .

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن