لأننا جميعاً ذوو احتياجات".. كيف يمنحنا الذكاء الاصطناعي مفتاح العبور؟

  • بقلم: منى مراد

    بطل عالمي في قمة قادة تكنولوجيا المعلومات (Global CIO Champion)

     

    لماذا "إمكانية الوصول" ليست رفاهية بل ضرورة؟

    لو عرفنا أولاً ما معنى "إمكانية الوصول" (Accessibility)، ولو أدركنا بحق مَن هو الشخص الذي يحتاج إلى هذه الإتاحة، ولو فهمنا لماذا وجب علينا جميعاً—كمسؤولين، ومبتكرين، وتربويين—أن نفتح هذا الملف ونعمل عليه بكل طاقتنا؛ لتغير وجه العالم، ولحُلّت معضلات إنسانية واجتماعية في بيوتنا كدنا نظنها بلا حلول.

    السر الحقيقي الذي يجب أن نواجه به أنفسنا بكل شجاعة هو أننا—في واقع الأمر—وباختلاف قدراتنا وظروفنا، كلنا لدينا تحديات تعوقنا بشكل أو بآخر في تفاصيل حياتنا اليومية. لا أحد منا معصوم من لحظة عجز، أو ظرف طارئ، أو عائق يحول بينه وبين ما يريد.

    وإذا كانت التكنولوجيا اليوم—وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي—تستطيع أن تحل جزءاً كبيراً من هذه العوائق، وتوفر سبل الراحة والدمج والاستقلالية للبشر، ألا يصبح هذا الملف هو الأحق بالعمل؟ ألا يغدو هذا الموضوع هو الأسمى والأعلى قيمة؟

    دعوني أتحدث معكم بصراحة أشد وبلسانٍ يملؤه الصدق؛ أنا شخصياً، ولأنني سيدة تقدم بها العمر، لم يعد هذا الملف بالنسبة لي مجرد أبحاث تقنية أقرأها في المؤتمرات أو شعارات براقة نزين بها الندوات.

    إنني حين أشتغل على "إمكانية الوصول" اليوم، فإنني—بشكل أو بآخر—أشتغل على مستقبلي القريب، وأمهد الطريق لأساعد نفسي غداً.

    إنها حقيقة بيولوجية وإنسانية بامتياز؛ فالعمر يتقدم بنا جميعاً، والقدرات التي نمتلكها اليوم ونزهو بها قد تضعف غداً. وما نصنعه الآن من جسور تكنولوجية هو الاستثمار الحقيقي الذي سيحمي استقلاليتنا وكرامتنا في قادم الأيام.

    إن "إمكانية الوصول" هي حق لكل الناس بلا استثناء، وهي في ذات الوقت مسؤولية أخلاقية على كل من يملك القدرة أن يسهم في إتاحتها للآخرين.

    فهي بمثابة "ضريبة" إنسانية؛ ضريبة أن الله أكرمه بنعم كثيرة، ومسؤوليته أن يسخرها لتيسير حياة غيره.

    الأمر الذي يدمي القلب ويحير العقول في آنٍ واحد بسيط جداً.

    الحل بات بين أيدينا وبأبسط مما نتخيل!

    الموضوع اليوم لا يتطلب استثمارات ضخمة ولا مجهوداً خارقاً، بل أحياناً مجرد "تكة صغيرة" داخل أي ملف نقوم بإعداده ليصبح متاحاً للجميع.

    الحلول موجودة، ومجانية في أغلب الأحيان، ولا تحتاج وقتاً ولا جهداً كبيراً، بل تحتاج فقط إلى قلب يشعر ووعي يتحرك.

    ومن هنا، أطالب بضرورة وجود قوانين—على الأقل أخلاقية ومهنية—تُلزم أي برنامج أو نظام جديد بأن يجعل "إمكانية الوصول" جزءاً أصيلاً من تصميمه.

    إن الخطأ الشائع الذي نقع فيه كثيراً كتربويين وصنّاع محتوى هو أننا نظن أن دورنا ينتهي بمجرد تقديم محتوى قوي ومفيد.

    نبتهج لأن الكثيرين سيستفيدون منه، ونغفل تماماً عن جزء آخر من البشر يقف عاجزاً أمام هذا المحتوى؛ فقط لأننا لم نتيحه لهم.

    تخيل حجم الإحباط حين تبذل شهوراً من الجهد في إعداد محتوى، ثم يضيع نصفه؛ لأن الملف مكتوب بلغة لا يفهمها المتلقي، أو لأنه يعتمد على صور لا يستطيع "قارئ الشاشة" قراءتها لكفيف ينتظر قطرة معرفة.

    تخيل أن يُحرم شخص يعاني من عمى الألوان من فهم فكرتك بسبب ضعف التباين، أو أن يواجه المستخدم رابطاً طويلاً ومعقداً يعيقه عن الوصول.

    تفاصيل بسيطة في نظرنا، لكنها تتحول إلى حواجز حقيقية عند غيرنا.

    على قدر تعبنا، يجب أن تصل هذه الفكرة لأكبر عدد ممكن من الناس.

    وبالرغم من سعينا للوصول للجميع، ستظل هناك دائماً فئة تحتاج إلى حلول أخرى، وربما يحمل المستقبل القريب إجابات أفضل.

    العالم بدأ يدرك هذه الحقيقة؛ فنرى اليوم "اليوم العالمي لإمكانية الوصول" (GAAD) في الخميس الثالث من شهر مايو، لتسليط الضوء على هذه القضية الإنسانية الرقمية.

    كما أصبحت الأدوات في متناول الجميع: من قارئات الشاشة، إلى الترجمة التلقائية للفيديوهات، إلى خيارات تكبير النصوص وتحسين التباين، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي كمساعد يومي قوي.

    وكان هذا التساؤل الإنساني العميق هو ما دفعني مؤخراً للحديث عنه عبر شاشة القناة الفضائية المصرية في برنامج "سيدتي".

    لم يكن اللقاء مجرد حوار، بل كان محاولة لنشر الوعي، واستعراض حلول عملية تكسر الحواجز البصرية والسمعية والحركية.

    وتحدثنا عن الدور المتصاعد لما يسمى "الوكيل الذكي" (AI Agent)، الذي يمكنه مضاعفة كفاءة المعلم، ليس ليستبدله، بل ليمكنه من تقديم محتوى أكثر تخصيصاً ومرونة لكل متعلم.

    إن تحقيق العدالة الرقمية وتوفير "إمكانية الوصول" ليس تفضلاً، بل ضرورة إنسانية.

    فهو الجسر الذي نعبر به جميعاً نحو المستقبل، دون أن يُترك أحد خلف الركب.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن