الصيف الذي غيّر فيه الخليج عنوانه

  • بقلم : لطيفة زنينة

    مستشارة أولى في استراتيجيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، متخصصة في الفندقة الفاخرة، والشريكة المؤسِّسة لمكتب الاستشارات إيليت كونسلتينغ باريس.

    ثلاث صدمات… ومفارقة واحدة طوال الأسبوع، يُطرح عليّ السؤال نفسه، من جنيف إلى الرياض:

    "لطيفة، مع الحرب، وأسعار التذاكر الباهظة، وهذا الحرّ، هل سيلغي عملاء الخليج صيفهم؟"

    جوابي يتّسع له سطر واحد. الثروة لا تتخلّى عن السفر أبداً. إنها تعيد توزيعه.

    الصدمات الثلاث حقيقية.

    الصدمة الجوية: قرابة أربعين ألف رحلة أُلغيت منذ الثامن والعشرين من فبراير. والمحاور الثلاثة الكبرى في الخليج، التي تستقبل في الأحوال العادية ٥٢٦ ألف مسافر يومياً، عملت لفترة بأقل من ثلث طاقتها.

    صدمة الأسعار: وقود طائرات تضاعف سعره، ورسوم وقود إضافية بلغت ٣١٩ يورو، وتذاكر صيفية أغلى بنسبة تتراوح بين ٢٠ و٤٠ في المئة مقارنة بصيف ٢٠٢٥.

    الصدمة المناخية: ثالث موجة حرّ تجتاح أوروبا هذا العام، مع تسجيل ٤٠٫٨ درجة مئوية في فرنسا يوم السابع من يوليو، وتضرُّر تسعة من كل عشرة فنادق ومطاعم فرنسية.

    ومع ذلك. في الأسبوع الأول من يوليو، قفزت الرحلات الجوية بين أوروبا والشرق الأوسط بنسبة ١٣ في المئة خلال سبعة أيام، متجاوزةً بالفعل مستوياتها في عام ٢٠٢٥.

    لقد عادت الحركة الجوية. ولم يعد السؤال الحقيقي: «هل سيأتون؟»

    بل أصبح: «مَن سيُحسن استقطابهم؟»

    فبينما ينتظر بعض الفندقيين انقضاء موجة الحرّ، ثمة آخرون يملؤون منذ الآن أجنحة سبتمبر.

    قاعدة الستين والأربعين

    ترسم تحليلاتنا في إيليت كونسلتينغ باريس خريطة واضحة لوجهات المسافرين الخليجيين هذا الصيف.

    ستون في المئة — وهم الأكثر ثراءً — يسافرون بعيداً وطويلاً.

    أوروبا أولاً: الريفييرا الفرنسية، باريس، جنيف، لندن، ماربيا. إقامات تمتد أسابيع، ورحلات تجمع أجيالاً متعاقبة من العائلة الواحدة، ومتوسط إنفاق يُعدّ من الأعلى في العالم.

    ثم الولايات المتحدة وكندا، مع عامل جذبٍ غير مسبوق: كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦، المقامة في أمريكا الشمالية حتى التاسع عشر من يوليو، والتي تستقطب العائلات المالكة ومكاتب الثروات العائلية وكبار المسافرين الخليجيين إلى المقصورات الخاصة وفنادق القصور في المدن المضيفة.

    وأربعون في المئة — العائلات وأصحاب الإقامات القصيرة — يبقون في المنطقة وجوارها.

    صلالة في عُمان، حيث يُنزل موسم الخريف درجات الحرارة إلى ما بين ٢٠ و٢٨ درجة، بينما تتجاوز بقية شبه الجزيرة ٤٣ درجة. وتركيا، رغم موسمها المتعثّر. والمغرب وتونس، اللذان يستقطبان الباحثين عن القرب والأمان. ومصر، الرابح الأكبر لهذا الصيف: أفضل ربع سياحي في تاريخها، وإيرادات قياسية، وساحل شمالي محجوز بالكامل منذ مايو مع ارتفاع في الأسعار يتراوح بين ٢٥ و٣٥ في المئة.

    بلداً بلداً، في ثلاثة أسطر

    المملكة العربية السعودية. أكبر الأسواق المصدِّرة للمسافرين من حيث الحجم. عائلات متعددة الأجيال، وإقامات تمتد أسابيع، وتحوّل متسارع نحو أوروبا وصلالة.

    الإمارات. المحور الجوي يتألم — فقد ينخفض الإشغال في دبي إلى نحو ١٠ في المئة — غير أن حركة السفر إلى الخارج لم تُمَسّ: المقيمون الأثرياء يغادرون، نحو أوروبا ونحو عُمان.

    قطر. أعلى متوسط إنفاق في الخليج: نحو 4 آلاف دولار في الرحلة الواحدة. والوجهة: لندن وباريس وجنيف.

    الكويت. أحد عشر خطاً صيفياً افتتحتها الناقلة الوطنية دفعة واحدة، من ميكونوس إلى صلالة. وحين يتوسّع العرض الجوي بهذا الشكل، فذلك لأن الطلب موجود.

    البحرين وعُمان. الأولى ترحل بحثاً عن الاخضرار والاعتدال، والثانية تستقبل الخليج كله في ضباب خريفها.

    ما الذي يتغيّر بالنسبة إلى فندق قصور أوروبي؟

    "المسافر الخليجي الذي يصل إلى باريس أو جنيف هذا الصيف ليس سائحاً عابراً. إنه عميل غيّر وجهته اضطراراً، يقارن مؤسستكم بأرقى ما عرفه في العالم، وسيقرّر في أيام معدودة إن كنتم تستحقّون أصيافه العشرة المقبلة".

    تخيّلوا تلك العائلة، هذا المساء، في بهو فندقكم. ثلاثة أجيال. إقامة تمتد ثلاثة أسابيع. وقيمة عميل مدى الحياة تُحسب بمئات آلاف اليوروهات.ستغادر تلك العائلة وقد كوّنت يقيناً عن داركم. حسناً كان أم سيئاً. وهذا اليقين سيسافر أسرع منكم في مجالس الرياض والدوحة.

    ثلاث أولويات، فوراً.

    القياس يوماً بيوم، لا شهراً بشهر. فالتدفقات تُعاد صياغتها في أسابيع، والتقارير الشهرية تجعلكم تقودون وأنظاركم إلى مرآة الخلف.

    التصنيف وفق السلوك، لا وفق الجنسية. فعائلة سعودية تقيم ثلاثة أسابيع، وزوجان قطريان في رحلة تسوّق لخمس ليالٍ، ومكتب ثروة إماراتي في جولة استطلاع، لا يجمعهم مسار واحد ولا إنفاق واحد ولا أعراف واحدة كذلك التفكير بقيمة العميل مدى الحياة، لا بإيراد الغرفة في أغسطس. فالعميل الخليجي الذي يُحسَن استقباله يعود عشر سنوات. وإن أُسيء استقباله، لا يعود أبداً — ولا تعود دائرته من بعده.

    «الأزمة لا تُفني الطلب. إنها تعيد توزيعه. نحو من يُحسنون قياسه

    هذه النافذة ستبقى مفتوحة أسابيع معدودة. عمرها عمر صيفٍ واحد.

    وفنادق القصور التي تغتنمها لن تكسب موسماً. بل ستكسب جيلاً كاملاً من العملاء.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن