كتب : محمد عصام
تغيرت المعايير التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم الشركات الناشئة التقنية الراغبة في جمع جولات تمويل جديدة، مع ارتفاع مستوى الإيرادات المطلوب للانتقال من مرحلة إلى أخرى، في وقت أصبحت فيه معدلات النمو أقل من المستويات التي سادت خلال طفرة التمويل في 2021.
وتظهر بيانات Silicon Valley Bank (SVB) ضمن تقرير State of the Markets H1 2026 أن وسيط الإيرادات السنوية للشركات التقنية الأمريكية عند جمع التمويل تراوح من نحو 220 ألف دولار في مرحلة البذرة إلى 14.6 مليون دولار في السلسلة C، وفق بيانات جولات التمويل التي أُغلقت خلال 2024 و2025.
وتوضح البيانات أن الفجوة بين الشركات داخل الجولة التمويلية الواحدة يمكن أن تكون واسعة، ما يعني أن الوصول إلى جولة جديدة لا يرتبط برقم إيرادات ثابت، وإنما بمجموعة من المؤشرات تشمل النمو وكفاءة استخدام رأس المال وطبيعة القطاع ونموذج الأعمال.
تبدأ الفروقات في الإيرادات بالظهور منذ مرحلة البذرة، حيث يمكن لشركات ناشئة جمع التمويل دون تحقيق إيرادات، بينما تصل إيرادات أعلى الشركات في هذه المرحلة إلى ملايين الدولارات.
ويبلغ وسيط الإيرادات عند جمع جولة البذرة نحو 220 ألف دولار، وفق بيانات SVB التي تغطي شركات التقنية الأمريكية التي جمعت جولات خلال 2024 و2025.
وترتفع قيمة الإيرادات بصورة كبيرة عند الانتقال إلى السلسلة A، إذ يصل الوسيط إلى نحو 2.5 مليون دولار.
وفي السلسلة B يرتفع الوسيط إلى نحو 6 ملايين دولار، ثم يصل إلى 14.6 مليون دولار في السلسلة C.
وتوضح هذه المستويات أن المستثمرين لا ينظرون إلى الجولة التمويلية باعتبارها مجرد وسيلة لتوفير رأس المال، وإنما كمرحلة يفترض أن تعكس تطورًا واضحًا في حجم النشاط التجاري للشركة.
تظهر أكبر فجوة في الإيرادات عند الانتقال من مرحلة البذرة إلى السلسلة A.
ويرتفع وسيط الإيرادات من نحو 220 ألف دولار إلى 2.5 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 11.3 ضعفًا.
وتتراجع حدة القفزة بعد ذلك؛ إذ يرتفع وسيط الإيرادات بنحو 2.4 ضعف عند الانتقال من السلسلة A إلى B، وبالنسبة نفسها تقريبًا من B إلى C.
وتجعل هذه الفجوة مرحلة الانتقال إلى السلسلة A واحدة من أصعب المراحل التي تواجهها الشركات الناشئة، خصوصًا أن الشركة مطالبة بتحقيق نمو كبير خلال فترة محدودة مع الحفاظ على السيولة الكافية لمواصلة التشغيل.
أصبحت السلسلة A نقطة اختناق واضحة في سوق رأس المال الجريء خلال السنوات الأخيرة.
وأشارت SVB في تقاريرها السابقة إلى أن وسيط إيرادات الشركة التي تجمع السلسلة A وصل إلى 2.5 مليون دولار، مقارنة بنحو 1.4 مليون دولار في 2021، بزيادة تبلغ 75%. كما رصدت زيادة في عدد الشركات التي تجمع أكثر من جولة بذرة قبل الوصول إلى السلسلة A.
وتشير بيانات أحدث من SVB إلى أن وسيط الإيرادات عند جمع التمويل ارتفع عبر المراحل مقارنة بمستويات 2021، بينما أصبح رأس المال أكثر تركيزًا على عدد محدود من الشركات.
وفي 2025، ذهب نحو 33% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء الأمريكية إلى أعلى 1% من الشركات من حيث التقييم، مقابل 12% في 2022، بينما حصل النصف الأدنى من الشركات على نحو 7% فقط من رأس المال.
وتعني هذه البيئة أن الشركات التي تقع خارج دائرة الشركات الأعلى أداءً تواجه منافسة أكبر على التمويل، حتى عندما تكون قادرة على تحقيق نمو فعلي.
ارتفاع الإيرادات المطلوبة لا يأتي مع استمرار معدلات النمو المرتفعة التي شهدها السوق في 2021.
وتظهر بيانات SVB أن شركات مرحلة البذرة التي جمعت تمويلًا في 2025 حققت نموًا سنويًا قدره 322%، مقارنة بـ959% في 2021.
وفي السلسلة A، انخفض معدل النمو السنوي في الشريحة العليا من نحو 484% في 2021 إلى 164% في 2025.
وتكشف هذه الأرقام تغير طبيعة السوق. فالشركات اليوم تجمع التمويل عند مستويات إيرادات أعلى، مع معدلات نمو أقل، ما يعني أن المستثمرين أصبحوا يركزون بدرجة أكبر على جودة الإيرادات واستدامة النمو وكفاءة رأس المال.
توضح هذه التحولات أن معيار الحصول على التمويل لم يعد قائمًا على سرعة النمو وحدها.
فالشركة التي تصل إلى جولة تمويل جديدة بإيرادات أعلى وقاعدة عملاء أكثر استقرارًا وقدرة أكبر على التحكم في الإنفاق قد تكون أكثر جاذبية من شركة تحقق نموًا سريعًا مع استهلاك مرتفع للنقد.
وأظهرت SVB في تقريرها عن 2025 أن الشركات التي نجحت في جمع التمويل أصبحت أكثر كفاءة في إدارة الإنفاق، إذ زاد معدل الحرق لدى الشركة الوسيطة في السلسلة B بنسبة 8% فقط على أساس سنوي لدى الشركات التي جمعت التمويل في 2024.
ويعكس ذلك استمرار انتقال السوق من استراتيجية النمو بأي تكلفة إلى نموذج يعتمد على النمو مع قدر أكبر من الكفاءة المالية.
ارتفاع متطلبات الإيرادات مع انخفاض معدلات النمو يجعل الفترة بين الجولات التمويلية أكثر حساسية.
فالشركة التي كانت تحتاج في السابق إلى الوصول إلى مستوى معين من الإيرادات خلال فترة قصيرة أصبحت مطالبة اليوم بتحقيق مستوى أعلى، في سوق لا يضمن استمرار التمويل بسهولة.
ولهذا لجأت بعض الشركات إلى جولات التمديد لتوفير وقت إضافي قبل محاولة جمع الجولة التالية.
وكانت SVB قد أشارت إلى أن ضغوط السوق دفعت المزيد من شركات مرحلة البذرة إلى جمع جولات متعددة قبل الوصول إلى السلسلة A، وهو ما ساهم في زيادة الاختناق عند هذه المرحلة.
أصبحت قدرة شركات البذرة على الوصول إلى السلسلة A خلال فترة زمنية قصيرة أقل من السابق.
وتشير البيانات المرتبطة بتقرير SVB إلى أن نسبة الشركات التي تنتقل من البذرة إلى السلسلة A خلال 36 شهرًا تراجعت من نحو 20% تاريخيًا إلى قرابة 10% مؤخرًا.
وتعكس هذه النسبة حجم الفجوة بين الحصول على تمويل مبكر وإثبات القدرة على بناء شركة قابلة للتوسع.
فالحصول على جولة بذرة يمنح الشركة وقتًا لإثبات نموذجها، بينما تتطلب السلسلة A مؤشرات أقوى على وجود سوق حقيقي وقدرة على تحقيق إيرادات متكررة والنمو بطريقة يمكن تمويلها.
السلسلة B تحتاج إلى مستوى أعلى
لا تنتهي الضغوط عند السلسلة A.
فبعد الوصول إلى نحو 2.5 مليون دولار كوسيط للإيرادات في السلسلة A، يرتفع الرقم إلى نحو 6 ملايين دولار في السلسلة B، ثم إلى 14.6 مليون دولار في السلسلة C.
ومع تقدم الشركة في مراحل التمويل، تتغير طبيعة الأسئلة التي يطرحها المستثمرون.
تتحول الأولوية تدريجيًا من إثبات وجود المنتج والسوق إلى إثبات قدرة الشركة على التوسع بكفاءة، والحفاظ على العملاء، وتحسين اقتصاديات الوحدة، وبناء نموذج مبيعات يمكن تكراره على نطاق أكبر.
رغم أهمية هذه الأرقام، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حدًا أدنى إلزاميًا للحصول على كل جولة.
وتؤكد البيانات أن توزيع الإيرادات داخل المرحلة الواحدة واسع، كما تختلف متطلبات المستثمرين حسب القطاع ونموذج الأعمال وطبيعة التكنولوجيا.
فالشركات الاستهلاكية قد تحتاج إلى إثبات الطلب والإيرادات في وقت مبكر، بينما يمكن لشركات Deep Tech والتقنيات المتقدمة أن تقضي سنوات في البحث والتطوير قبل الوصول إلى إيرادات كبيرة.
وتتأثر المعايير أيضًا بحجم السوق المستهدف، وهوامش الربح، ومدة دورة المبيعات، وحجم الاستثمار المطلوب لتطوير المنتج.
يظهر أثر الذكاء الاصطناعي بصورة واضحة في سوق رأس المال الجريء الحالي.
ففي 2025، استحوذت شركات الذكاء الاصطناعي على نسبة كبيرة من رأس المال، بينما حصلت بعض الشركات الكبرى في القطاع على جولات ضخمة رفعت متوسطات السوق بصورة كبيرة.
وتشير SVB إلى أن سوق رأس المال الجريء أصبح أكثر انقسامًا، مع تركيز مبالغ ضخمة في عدد محدود من الشركات، خصوصًا شركات الذكاء الاصطناعي، مقابل سوق أكثر انتقائية لبقية الشركات.
وتعني هذه البيئة أن وجود شركة في قطاع الذكاء الاصطناعي لا يضمن التمويل، وإنما تحتاج الشركات إلى إثبات قدرتها على تحويل التقنية إلى نمو وإيرادات واقتصاديات قابلة للاستمرار.
الفجوة تختلف حسب القطاع
لا يمكن تطبيق مستويات الإيرادات نفسها على جميع الشركات الناشئة.
فالشركات التي تعمل في Consumer Tech يمكنها تحقيق الإيرادات في مرحلة مبكرة نتيجة طبيعة نماذجها القائمة على المستخدمين والمعاملات.
أما شركات التقنيات المتقدمة، فقد تحتاج إلى فترة أطول قبل تحقيق إيرادات كبيرة بسبب طول دورة تطوير التكنولوجيا أو الحاجة إلى اعتماد تقني وتنظيمي قبل بدء البيع على نطاق واسع.
وتجعل هذه الفروقات الإيرادات مؤشرًا مهمًا، لكنها لا تعمل منفردة في عملية اتخاذ قرار الاستثمار.
تعكس بيانات 2024 و2025 مرحلة مختلفة عن طفرة التمويل التي شهدها قطاع التقنية في 2021.
فالشركات الناشئة أصبحت مطالبة ببناء أعمال أكثر كفاءة، بينما ارتفع مستوى الإيرادات عند جمع الجولات، وتباطأت معدلات النمو، وأصبح رأس المال أكثر تركيزًا في عدد محدود من الشركات.
وفي الوقت نفسه، لا يزال سوق رأس المال الجريء نشطًا على مستوى إجمالي الاستثمارات، إذ تشير SVB إلى أن الشركات الأمريكية المدعومة برأس المال الجريء جذبت نحو 340 مليار دولار خلال 2025، وهو ثاني أعلى مستوى سنوي وفق البيانات التي عرضتها في تقرير H1 2026.
لكن حجم رأس المال الإجمالي يخفي تفاوتًا كبيرًا بين الشركات، مع ذهاب جزء ضخم من التمويل إلى مجموعة صغيرة من الشركات الأعلى تقييمًا.
توضح الصورة العامة أن الإيرادات أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحديد جاهزية الشركة للجولة التالية، لكنها ليست المؤشر الوحيد.
وينظر المستثمرون إلى جودة الإيرادات، ومعدل النمو، والاحتفاظ بالعملاء، وهوامش الربح، وتكلفة اكتساب العميل، ومعدل حرق النقد، والمدة التي تستطيع الشركة خلالها مواصلة التشغيل.
وهذا التحول يفرض على المؤسسين بناء خطط التمويل على أساس مراحل واضحة، بحيث يكون لكل جولة هدف تشغيلي ومالي يمكن إثباته بالأرقام.
وتصبح أهمية ذلك أكبر عندما تكون الشركة في مرحلة البذرة، لأن الفجوة إلى السلسلة A أصبحت كبيرة مقارنة بالمراحل اللاحقة.
تعكس بيانات SVB تغيرًا واضحًا في قواعد لعبة التمويل.
ففي السوق الحالية، لا يكفي أن تقول الشركة إنها تنمو؛ عليها أن تثبت حجم الإيرادات التي تحققها، وسرعة نموها، وكفاءة الإنفاق، وقدرتها على الوصول إلى الجولة التالية دون الاعتماد الكامل على ظروف السوق.
ويظهر ذلك بوضوح في القفزة بين البذرة والسلسلة A، حيث تحتاج الشركات عادة إلى زيادة إيراداتها عدة مرات خلال فترة محدودة، بينما تصبح الزيادات المطلوبة أقل حدة في المراحل اللاحقة.
ومع استمرار السوق في 2026، تشير أحدث بيانات SVB إلى أن رأس المال لا يزال يتجه بصورة كبيرة نحو الشركات الأعلى أداءً، ما يجعل بناء شركة ذات أساس مالي قوي أكثر أهمية للمؤسسين الذين يستعدون لجولاتهم المقبلة.








