بقلم: رانيا جول
كبيرة محللي الأسواق في XS.com - منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
يحوم مؤشر الدولار الأمريكي قرب مستوى 96.50 خلال تداولات يوم الأربعاء، مسجلاً انخفاضاً طفيفاً خلال الجلسة الآسيوية وتلتها الساعات الأولى من التداولات الأوروبية، مما يعكس بوضوح حالة الترقب الحذر التي تسود الأسواق قبيل صدور تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر يناير المؤجل.
في رأيي، لا يشير هذا التراجع إلى ضعف حاد بقدر ما يمثل إعادة تموضع حكيمة من قبل المستثمرين في أعقاب بيانات مبيعات التجزئة المخيبة للآمال. لا يتفاعل السوق مع رقم واحد، بل يعيد تقييم المسار المحتمل للسياسة النقدية الأمريكية. وهذا ما يجعل التحركات الحالية أقرب إلى مرحلة "الانتظار الاستراتيجي" منها إلى موجة هبوطية منظمة.
أظهرت بيانات صادرة عن مكتب الإحصاء الأمريكي أن مبيعات التجزئة ظلت ثابتة عند 735 مليار دولار في ديسمبر، مقارنةً بزيادة قدرها 0.6% في نوفمبر، وأقل من توقعات السوق التي كانت تشير إلى ارتفاع بنسبة 0.4%. وعلى أساس سنوي، تباطأ النمو إلى 2.4% من 3.3% في الشهر السابق. في رأيي، تحمل هذه الأرقام دلالات تتجاوز مجرد تباطؤ مؤقت في الاستهلاك؛ فهي تشير إلى بوادر تباطؤ في أحد أهم محركات الاقتصاد الأمريكي - الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُشكل ركيزة النمو. عندما يتباطأ الاستهلاك بهذا الشكل، فإنه يعكس إما ضغطًا على القدرة الشرائية أو ازدياد حذر المستهلكين، وكلاهما يُمهد الطريق لتباطؤ اقتصادي أوسع نطاقًا إذا استمر هذا الاتجاه خلال الربع الأول.
كان رد فعل الدولار على هذه الأرقام منطقيًا، إذ عززت القراءة الأضعف التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يخفض أسعار الفائدة هذا العام. من وجهة نظري، لا تنتظر الأسواق بالضرورة تحركًا فوريًا، بل تحولًا واضحًا في لهجة مجلس الاحتياطي الفيدرالي من التشديد إلى التيسير. أي مؤشر على احتمال امتداد تباطؤ الاستهلاك إلى قطاعات أخرى سيدفع المستثمرين إلى توقع خفض أسعار الفائدة في وقت أقرب مما كان متوقعًا، مما سيؤثر سلبًا على عوائد سندات الخزانة الأمريكية ويقلل من جاذبية الدولار. لذلك، أرى أن مستوى 96.50 ليس مجرد رقم فني، بل نقطة توازن حالية بين توقعات التيسير النقدي والمخاوف بشأن التباطؤ الاقتصادي.
مع ذلك، تبقى الصورة غير مكتملة دون تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي يحظى باهتمام بالغ اليوم. تشير تقديرات السوق إلى إضافة حوالي 70 ألف وظيفة في يناير، مع استقرار معدل البطالة عند 4.4%. في رأيي، إذا تحقق هذا الرقم، فسيعكس اعتدالًا ملحوظًا مقارنةً بالمتوسطات السابقة، ولكنه لن يكون كافيًا لإثارة قلق حقيقي طالما بقيت البطالة مستقرة. ستدقق الأسواق في التفاصيل، لا سيما نمو الأجور ومتوسط ساعات العمل، إذ إن أي ضغوط تضخمية ناتجة عن الأجور قد تعقد حسابات الاحتياطي الفيدرالي وتحد من قدرته على تيسير السياسة النقدية بسرعة.
أعتقد أن السيناريو الأكثر تأثيرًا على الدولار هو حدوث مفاجأة إيجابية قوية في بيانات الوظائف - تتجاوز، على سبيل المثال، 120 ألف وظيفة - مصحوبة بانخفاض طفيف في معدل البطالة. في هذه الحالة، قد نشهد انتعاشًا سريعًا لمؤشر الدولار نحو 97.00 وربما أعلى، حيث سيقلل ذلك من التوقعات بخفض أسعار الفائدة على المدى القريب. في المقابل، إذا جاءت البيانات أقل من 50 ألف وظيفة أو ترافقت مع ارتفاع في معدل البطالة، أتوقع تسارع ضغط البيع على الدولار، مع كسر واضح دون مستوى 96.30، مما يمهد الطريق لاختبار مستويات أدنى في الأسابيع المقبلة.
يسعى السوق إلى تباطؤ كافٍ لتبرير التيسير النقدي، ولكن دون الانزلاق إلى ركود فعلي. في رأيي، هذا التوازن دقيق للغاية، لأن أي تباطؤ حاد سيؤثر سلبًا على شهية المخاطرة العالمية، مما قد يدعم الدولار كملاذ آمن حتى لو انخفضت العوائد. وهنا تكمن المفارقة: قد يضعف الدولار بسبب توقعات خفض أسعار الفائدة، ولكنه قد يجد دعمًا إذا سادت مخاوف الركود عالميًا.
بناءً على هذه التوقعات، أتوقع أن يبقى مؤشر الدولار ضمن نطاق قصير الأجل بين 96.00 و97.20 إلى حين اتضاح مسار الاحتياطي الفيدرالي في الاجتماعات القادمة. لا أرى حاليًا ما يبرر انخفاضًا حادًا ومستمرًا، إذ لا يزال الاقتصاد الأمريكي -رغم تباطؤه- يُظهر مرونة نسبية مقارنةً بالاقتصادات الكبرى الأخرى. في الوقت نفسه، أعتقد أن أي ارتفاع سيظل محدودًا ما لم نشهد تحسنًا واضحًا في بيانات الاقتصاد الكلي، لا سيما في الاستهلاك وسوق العمل.
في الختام، ما نشهده ليس مجرد حركة تصحيحية مؤقتة، بل مرحلة إعادة تقييم أوسع لتوقعات السياسة النقدية الأمريكية. كان ركود مبيعات التجزئة بمثابة إشارة إنذار مبكر، وسيُحدد تقرير الوظائف ما إذا كانت هذه الإشارة تعكس اعتدالًا مؤقتًا أم بداية دورة أضعف. أميل إلى سيناريو تباطؤ معتدل يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تنفيذ تخفيضات تدريجية ومدروسة في أسعار الفائدة، مما يعني أن الدولار قد يبقى تحت ضغط نسبي.








