نبضات " الذكاء الفائق " يمكن أن يصبح "فائق الخطورة"

  •  

    بقلم : خالد حسن

     

    يعيش العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة بفضل القفزات الهائلة في قدرات الذكاء الاصطناعي (AI). ومع اقترابنا من مرحلة «الذكاء الفائق» ( Super intelligence) —الذي يتفوق على القدرات البشرية في كل المجالات— تتجاوز المخاوف حدود المنافسة الاقتصادية لتلامس خطوط الوجود البشري. لم يعد السؤال هل يصل الذكاء الاصطناعي لهذا المستوى، بل متى؟ وكيف تستعد الدول لهذا التحول الخطير الذي يحمل في طياته فرصاً لا تُعوض ومخاطر تهدد الاستقرار العالمي؟

     

    ومؤخرا اكد الملياردير الياباني ماسايوشي سون، الرئيس التنفيذي لمجموعة "سوفت بنك" وأحد أشد المؤمنين بالذكاء الاصطناعي والذى وجه استثمارات بقيمة إجمالية 65 مليار دولار من صناديق "سوفت بنك" إلى شركة "أوبن إيه آي" ، مطوّرة شات جي بي تي ، إنه يشعر بالقلق هو الآخر إزاء مخاطر السلامة مع اكتساب الآلات مزيداً من القدرات بسرعة.

     

    بل والأغرب ، انه خلال فعالية على هامش منتدى العلوم والتكنولوجيا والمجتمع في كيوتو ، وفي نبرة تحذيرية غير معتادة أشار سون إن الزيادة المطردة في قدرات الذكاء الاصطناعي تجعل من الضروري أن تبني الدول الثقة فيما بينها حتى يمكنها الاستفادة من التكنولوجيا معاً اذ لم يعد لدينا ترف أن يحارب البشر بعضهم بعضاً" على حد قول سون الذي أضاف أن الدول بحاجة إلى التعاون للسيطرة على التهديد الأكبر بكثير الذي تمثله نماذج الذكاء الاصطناعي القوية. وحذر من أن الذكاء الفائق يمكن أن يصبح "فائق الخطورة" إذا وقع في الأيدي الخطأ.

    وفى نفس السياق أكد جيمي ديمون الرئيس التنفيذي ل " جيه بي مورجان تشيس ": مخاطر الذكاء الاصطناعي زادت عشرة أضعاف بعد "ميثوس" ، نموذج الذكاء الاصطناعي التابع لشركة "أنثروبيك"  ، اذ زاد مخاطر الأمن السيبراني عالمياً بصورة هائلة اذ أوجد الذكاء الاصطناعي ثغرات لم نكن نعرف بوجودها، وكنا نشعر دائماً بالقلق إزاء المخاطر السيبرانية حتى قبل ظهور هذه التقنيات ، وخلال اختبارات السلامة التي أُجريت في وقت سابق وصل "ميثوس" إلى الإنترنت ونفذ إجراءات غير مصرح بها، ما دفع "أنثروبيك" إلى إعادة تقييم خطر سعي النماذج المتقدمة إلى تنفيذ مهمة بطرق لم يتوقعها مطوروها قط. وفي بعض الحالات، حاولت نماذج الذكاء الاصطناعي إضافة شيفرات ضارة إلى برامج متاحة عبر الإنترنت، في أحدث حلقة ضمن سلسلة من التجاوزات التي زادت المخاوف من عدم قدرة مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي على السيطرة الكاملة على ابتكاراتهم.

     

    ومن ثمة علينا الاعتراف أن العالم يمر اليوم بمنعطف تاريخي غير مسبوق، حيث لم يعد الحديث عن "الذكاء الفائق" مجرد ضرب من خيال علمي أو سيناريو سينمائي بعيد المنال. إن الزيادة المطردة والتسارع الهائل في قدرات الآلة يضعان البشرية أمام حقيقة واضحة: نحن نقترب من تطوير كيانات ذكية تتفوق على القدرات الذهنية المجتمعة لأذكى العقول البشرية. لكن هذه القوة اللامتناهية تحثنا على طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لمنظومة "فائقة الذكاء" ألا تتحول إلى منظومة "فائقة الخطورة"؟

     

    وفي تصورى تكمن المعضلة الأساسية في أن سباق التسلح التكنولوجي الحالي يعتمد على التنافس الشرس بدلاً من التعاون اذ تسعى الدول والشركات الكبرى إلى الانفراد بالصدارة التكنولوجية، ظناً منها أن من يسيطر على الذكاء الفائق سيحكم العالم. بيد أن هذا المنطق التنافسي الضيق يتجاهل طبيعة التكنولوجيا نفسها؛ فالذكاء الفائق لا يعترف بالحدود الجغرافية، وأي خطأ في توجيهه أو برمجته، أو أي انفلات في منظومة أمنية تابعة لدولة ما، سيمتد أثره الكارثي ليشمل الكوكب بأسره. إننا نواجه تهديداً وجودياً مشتركاً لا يمكن مجابهته بالفردية.

     

    فى اعتقادي يصبح "بناء الثقة المتبادلة" بين الدول ليس مجرد خيار دبلوماسي رفيع، بل ضرورة حتمية للبقاء. إن الاستفادة الآمنة والمستدامة من قفزات الذكاء الاصطناعي تتطلب صياغة ميثاق عالمي جديد يقوم على الشفافية المطلقة ومشاركة المعايير الأمنية. لا يمكننا السماح بوجود "صناديق سوداء" تكنولوجية تُطوّر في الخفاء بدافع الخوف أو الرغبة في الهيمنة السياسية والاقتصادية.

     

    إن بناء الثقة يتطلب خطوات عملية وجريئة، تبدأ من وضع أطر تنظيمية موحدة تحكم عمليات التطوير، وتمر بإنشاء مراكز مراقبة دولية مشتركة لضمان "محاذاة" أهداف الذكاء الفائق مع القيم والمصالح البشرية، وتصل إلى الالتزام الجماعي بعدم استخدام هذه القدرات كأدوات للحروب السيبرانية أو العسكرية.

     

    كما يجب أن ندرك أن " الذكاء الفائق " يمثل إما أعظم فرصة لازدهار البشرية وحل معضلاتها المستعصية كالمراد والتغير المناخي، أو أسوأ كارثة تقضي على مستقبلنا. والفيصل بين هذين السيناريوهين لن يكون مدى ذكاء الآلة، بل مدى حكمة وإدراك الدول لضرورة التكاتف وبناء جسور الثقة. إنها لحظة تاريخية تتطلب منا الارتقاء فوق الخلافات السياسية، لأن مواجهة تكنولوجيا "فائقة الخطورة" تستدعي بالضرورة وعياً بشرياً "فائق التعاون".

     

    فى النهاية نؤكد إن "الذكاء الفائق " سيف ذو حدين، إما أن يكون البوابة الكبرى لرفاهية البشرية وحل أزماتها، أو المطرقة التي تهدم ما بناه الإنسان عبر التاريخ فالوقت يتقزم أمام سرعة التطور، ولا مخرج من هذه الخطر سوى إدراك الدول أن أمنها واستقرارها مرتبطان بمدى قدرتها على بناء «ثقة جماعية» ومواثيق صارمة تضمن استخدام هذه التكنولوجيا بحكمة وسلام للجميع.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن