بورسعيد .. نواة المدن الذكية

  •        بقلم : خالد حسن

    لم يعد الحديث عن المدن الذكية مجرد إرهاصات أو تصورات في مخيلة بعض خبراء  تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو كتاب سيناريوهات أفلام الخيال العلمي في استوديوهات هوليوود العالمية بل باتت واقعا ملموسا نشهد منه حاليا العديد من النماذج على مستوى العالم " نيويورك وطوكيو وشنغهاي وأمستردام ولندن " وعلى المستوى الإقليمي " دبي " وعلى المستوى المحلي " العاصمة الإدارية الجديدة " ، والتي ستكون مؤهلة للسكن بها في 2022 ، وكذلك محافظة بورسعيد والتي باتت بمثابة التجربة  العملية لتطبيق مفهوم المدينة الرقمية .

    ولعل قيام الدكتور مصطفى مدلولي ـ رئيس الوزراء ، مؤخرا ، بإطلاق بوابة التحول الرقمي لمحافظة بورسعيد  واستعرض الدكتور عمرو طلعت ـ وزير الاتصالات، ما تم من جهود تتعلق بالبنية التحتية لإتاحة عملية التحول الرقمي داخل المحافظة، حيث تمت الإشارة إلى أنه تم الانتهاء من تنفيذ عدد (230) كابينة "MSAN " ضمن خطة عام 2019 لمشروع التحول الرقمي بمحافظة بورسعيد، وكذا الانتهاء من عدد (648) مبنى وهيئة حكومية داخل المحافظة في مختلف القطاعات الحكومية وذلك ضمن بروتوكول التحول الرقمي.

    كما نوه وزير الاتصالات إلى ما يتعلق بخدمات الإنترنت وتطبيقات المحمول (G2C)، والتي تقوم الجهات الحكومية من خلالها بمخاطبة المواطن بشكل مباشر، وهو ما يعتبر إرساء لمبدأ الحوكمة والشفافية، وفي هذا الصدد تمت الإشارة إلى بوابة بورسعيد للخدمات الحكومية "www.digital.gov.eg التي تم إطلاقها يوم 31 يوليو 2019، ويتم خلالها تقديم 18 خدمة، ومن المخطط إطلاق مجموعة من الخدمات في المرحلة الثانية من مشروع التحول الرقمي في عدد من القطاعات.

     

     وبالطبع نعلم أن مفهوم " المدن الذكية " لا يقتصر على المدن الجديدة التي يتم إنشاؤها ولكن يمتد أيضا للمدن التقليدية الحالية بعد إعادة تأهيلها على مستوى البنية التحتية للإنترنت والاتصالات ونشر الكاميرات الرقمية والمستشعرات الرقمية والتي يمكن من خلال تغير نمط حياة المواطنين في هذه المدن بطريقة ثورية والتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الشخصية للمواطن والتعرف على أنماط سلوكياته ومن ثمة التنبؤ باحتياجاته في المستقبل والقدرة على إدارتها وتلبيتها بصورة مثالية وذاتية لتأمينها لجميع سكان المدينة ، بدون تدخل منهم ، وانما من خلال التواصل المباشر مع المنتجين والموزعين للمنتجات والخدمات  .

    وبصرف النظر عما يمكن ان تتيحه المدن الذكية من مستويات متقدمة في تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين والمؤسسات وسهولة الحصول على هذه الخدمات عبر الأجهزة الإلكترونية ، وعلى رأسها الهواتف الذكية ، إلا أنها تفتح بابا واسعا من ترشيد النفقات وتحفيض تكلفة المعيشة وحسن إدارة كل أنواع الموارد المتاحة ، خاصة الطبيعية النادرة ، على كل المستويات فتخيل أنك تستطيع التخلي عن سيارتك نهائيا لأن هناك منظومة ذكية للنقل ووسائل المواصلات المرتبطة معا والتي تغطي كل أنحاء المدنية وتعمل بصورة ذاتية وفقا لمواعيد منضبطة بدون أي تأخير على غرار مواعيد الطائرات والقطارات وما يمكن أن يوفره ذلك من النفقات على تكلفة شراء السيارات والوقود .. ناهيك عن مصاريف الصيانة والدعم الفني وكذلك الوقت الذي يتم إهداره بسبب التكدس المروري علاوة على الإرهاق الجسدي وما نتعرض له من ضغوط نفسية أثناء عملية القيادة بالإضافة إلى التحول إلى بيئة رقمية نظيفة والحد من تزايد نسب التلوث بالهواء بنا ينعكس ايجابا على صحة السكان والشعور بالراحة والسعادة والرضا .

    وفي الحقيقة فإن المدن الذكية تشكل مستقبل المدن في القرن الحادي والعشرين ، وهو ما يفسر سعي الكثير من دول العالم لتبني هذا المفهوم ، وكما اشرنا تعتمد بقوة على مستوى متميز من البنية التحتية للاتصالات وتركيب شبكة معقدة من المستشعرات والكاميرات الرقمية وشبكات"  الإنترنت " وتعظيم الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية وبرامج تحليل البيانات وإدارة قواعد البيانات الضخمة وهنا يكمن التحدي الحقيقي لأي دولة تريد العبور لعصر المدن الذكية وبالطبع تواجه مصر هذا التحدي والذي سيكون لكل مشغلي شبكات وخدمات الاتصالات الدور الأكبر في تحقيق ذلك وضح استثمارات مالية جديدة يمكن أن تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات ، بجانب شركات التكنولوجيا المحلية لتوفير الحلول والتطبيقات التي نحتاج إليها سواء كأفراد أو مؤسسات ليكون كل شىء حولنا متصلا بشبكة الإنترنت .

    وفي اعتقادي أنه إذا كانت إتاحة البنية التحتية والحلول والأنظمة المتكاملة لإدارة المدينة أساسي فإن الأمر لا يجب أن يقتصر على ذلك ولكن أيضا ضرورة توافر المستخدم المؤهل ، وإلا لم  يكن المحترف، فلا يمكن أن نتوسع في المدن الذكية لتقطنها نفس العقول الاستهلاكية والتي لا تجيد التعامل الأمثل من البنية التكنولوجية  والتفاعل مع الخدمات الذكية وأن يكون لديهم الحد الأدنى من المهارات التقنية وهنا تأتي أهمية التدريب والتأهيل التكنولوجي لسكان المدن الذكية ولا يختصر الأمر على مجرد تصفح شبكات التواصل الاجتماعى أو الدردشة على تطبيقات التواصل وإضاعة الوقت والأموال التي أنفقت من أجل المدن الذكية . 

    في تصوري أيضا أن خصوصية المستخدمين تشكل تحديا من نوع آخر بالنسبة للمدن الذكية حيث إن انتشار الكاميرات الرقمية والمستشعرات الإلكترونية ستجعل دائما المواطن تحت المراقبة والتسجيل الدائم لكل تحركاته داخل المدينة ، لاسيما مع رغبة البعض في التوسع في استخدام نظم التعرف على الوجه لمتابعة المطلوبين أمنيا والمجرمين ، ومن الذي يقوم بحفظ هذه المعلومات ومن له حق الوصول إليها أو الاستفادة منها وبالتالي فالأمر يحتاج تقنين شديد الاحترافية .

    أخيرا فإن من أكثر التحديدات التي ستواجه المدن الذكية هو عملية تأمين البيانات الخاصة بها لاسيما في ظل رقمنة كل عمليات تقديم الخدمات بها " كشبكات انتاج وتوزيع الكهرباء ، المياه ، الغاز ، البنوك والمؤسسات المالية " والتي ستصبح بالتأكيد هدفا جذابا للقراصنة سواء للابتزاز المادي أو كإجراء عدواني من جانب بعض الدول أو الإرهابيين أو أعمال التجسس وهذا ليس بمستحيل بل حدث منذ عدة سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية ، بكل ما تمتلكه من إمكانيات تكنولوجية وكوادر بشرية ، وبعض الدول الأوروبية.

    في النهاية تؤكد أن ما حدث ويحدث في رقمنة محافظة بورسعيد يعد تجربة ايجابية وخطوة اولية نحو مفهوم " المدن الذكية " وتحتاج من جميع الأطراف المعنية المساندة والدعم لتعظيم الاستفادة منها ، والوقوف على الإيجابيات والسلبيات ، عن تكرارها في جميع المحافظات .

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن