السعودية تُحدث ثورة في صناعة الضيافة الفاخرة: ما تكشفه البيانات حقًا

  • بقلم : لطيفة زنينة

     مستشارة في الاستراتيجية الذكية وتحليل البيانات متخصصة في قطاع الضيافة الفاخر مكتب الاستشارات إيليت كونسلتينغ باري

     

    تُحوّل رؤية 2030 المشهد الفندقي في المملكة. خلف الأرقام المذهلة تكمن استراتيجية تجزئة جذرية تُعيد تعريف قواعد اللعبة للصناعة العالمية.

    ستون مليون زائر في ستة أشهر. 39.3 مليار يورو من النفقات السياحية. هذه الأرقام الصادرة عن النصف الأول من عام 2025 لا تروي سوى جزء من القصة. الثورة الحقيقية تجري في مكان آخر: في قدرة المملكة على تنسيق اقتصادين فندقيين مختلفين جوهريًا في آن واحد.

    مكة المكرمة: عندما يصبح الحجم قابلاً للتنبؤ

    في مكة المكرمة، لا يراهن الفندقيون على تجربة العميل بالمعنى التقليدي. بل يُحسّنون إدارة التدفقات الضخمة والقابلة للتنبؤ. فندق فور بوينتس باي شيراتون بغرفه البالغ عددها 1,030 غرفة أو نوفوتيل بمفاتيحه البالغة 2,058 يجسدان منطقًا صناعيًا: استيعاب الذروات، وتوحيد معايير التشغيل، وضمان المرونة التشغيلية.

    الـ 22 مليون حاج المسجلون خلال العشرين يومًا الأولى من شهر رمضان 2023 يمثلون زيادة بنسبة 25% مقارنة بالسنوات السابقة. هذا النمو الهيكلي يبرر استثمارات ضخمة في السعة، لكن وفق معادلة مختلفة عن معادلة الفخامة التقليدية. هنا، يعتمد العائد لكل غرفة متاحة على التحكم في التكاليف والكفاءة اللوجستية أكثر من اعتماده على التمايز

     

    الرياض تراهن على القطاع المؤسس

    تبني العاصمة السعودية منهجيًا موقعها في قطاع اجتماعات الحوافز والمؤتمرات والمعارض. فندق سوفيتيل الرياض للفنادق ومركز المؤتمرات بسعته البالغة 3,000 مشارك يُرسل إشارة واضحة: أن تصبح المحور الإقليمي للفعاليات المؤسسية والحكومية.

    تستند هذه الاستراتيجية إلى طلب أقل موسمية، وأكثر قابلية للتنبؤ، ويُحقق إيرادات إضافية كبيرة. لا يبحث صنّاع القرار عن الهروب من الواقع بل عن الكفاءة: قاعات قابلة للتعديل، واتصال عالي الأداء، وخدمات أعمال موحدة المعايير. الفخامة موجودة، لكنها وظيفية، مصممة للإنتاجية بدلاً من الانعزال.

    العُلا: خلق القيمة من خلال التجربة

    تُمثل العُلا الرهان المعاكس. هنا، كل شيء مبني من العدم حول وعد بالانغماس الثقافي والتراثي. لا يوجد طلب سابق لاستقطابه، بل وجهة يتعين ابتكارها، وسردية يجب بناؤها، واقتصاد سياحي يتطلب التطوير من الأساس.

    النموذج الاقتصادي يختلف جذريًا: مدة إقامة أطول، ومتوسط إنفاق مرتفع، وعملاء دوليون منتقون. لا يتم تطوير البنى التحتية والتجارب والتصميم بشكل تسلسلي بل بالتوازي، وفق منطق متكامل حيث يُعزز كل عنصر العناصر الأخرى.

    جدة: مختبر الإقامات ذات العلامات التجارية

    مع جي دبليو ماريوت جدة، الشقق وعدد وحداتها البالغ 356، أو ذا ريزيدنسز في سانت ريجيس، تختبر جدة نموذجًا ثالثًا: الإقامة الممتدة والإقامات ذات العلامات التجارية. يستجيب هذا النهج المختلط لطلب محدد، طلب الإقامات الطويلة والمستثمرين الباحثين عن أصول فاخرة لكنها مُحققة لتدفقات نقدية متكررة.

    يُجسد فندق ماندارين أورينتال جدة المقرر افتتاحه عام 2030 بغرفه البالغة 140، و115 شقة، و187 إقامة هذا التنويع: أصل واحد يستهدف ثلاثة أنواع من الطلب، وثلاثة أنماط من الإيرادات، وثلاثة آفاق استثما

    ما يجب على المستثمرين فهمه

    لا تكمن الفرصة السعودية في النمو في حد ذاته، بل في القدرة على التنفيذ وفق منطق مجزأ. ارتفعت الإيرادات السياحية بنسبة 148% مقارنة بعام 2019، لكن هذا الأداء الإجمالي يُخفي حقائق تشغيلية مختلفة جدًا.

    في مكة المكرمة، تظل المسألة المركزية هي تحسين التكاليف وإدارة الذروات. في الرياض، إنها استقرار الطلب المؤسسي وصعود قطاع الشركات. في العُلا، إنها خلق عرض قيمة مميز قادر على تبرير أسعار متميزة. في جدة، إنه التوازن بين التشغيل الفندقي والتثمين العقاري.

    المستقبل للمشغلين متعددي المستويات

    لا يُمثل الانتشار الواسع لأكور وماريوت وآي إتش جي وهيلتون مجرد توسع جغرافي. تنشر هذه المجموعات علامات تجارية مختلفة حسب المدن، وتُكيّف نماذجها التشغيلية، وتُعدّل وعودها للعملاء. إنها تفهم أن السعودية ليست سوقًا متجانسة بل منصة متعددة القطاعات تتطلب قدرات تنفيذ متمايزة.

    عندما يلتقي الطلب الديني الضخم بالطموح الثقافي الفاخر، تتحطم المعادلة الفندقية التقليدية. لم يعد النجاح يعتمد فقط على عدد المفاتيح المُسلّمة، بل على القدرة على تنسيق عدة منطق تشغيلي في آن واحد دون إضعاف المعايير أو تهديد الأداء.

    البيانات والذكاء الاصطناعي: الروافع الجديدة للأداء في السوق السعودي

    في مواجهة هذا التعقيد متعدد القطاعات، يصبح التحليل التنبؤي والذكاء الاصطناعي أمرًا لا غنى عنه. يُطبّق المشغلون الأكفاء بالفعل نماذج تحسين إدارة العائدات التي تدمج أنماط الحجز الخاصة بالحج، وتقلبات الطلب على اجتماعات الحوافز والمؤتمرات والمعارض في الرياض، وسلوكيات العملاء الفاخرين للغاية في العُلا.

    يتطلب التنبؤ بالطلب في مكة المكرمة خوارزميات قادرة على توقع تغيرات التقويم القمري، ومطابقة بيانات تدفق الرحلات الجوية مع تصاريح التأشيرات، وتعديل الأسعار في الوقت الفعلي خلال نوافذ زمنية قصيرة. في الرياض، يُمكّن الذكاء الاصطناعي من تحديد الارتباطات بين الفعاليات المؤسسية، ومعدلات إشغال مراكز المؤتمرات، والميل لإطالة الإقامات.

    يُحوّل التحليل السلوكي أيضًا الإدارة التشغيلية. الفنادق التي تستغل بيانات أنظمة إدارة الممتلكات وإدارة علاقات العملاء وإدارة الإيرادات تكتشف القطاعات الدقيقة للعملاء، وتُحسّن توزيع الغرف حسب الملفات الشخصية، وتُخصص الخدمات دون تكاليف إضافية. في سوق يصبح فيه التمايز حاسمًا، تفصل قدرات التنفيذ المدفوعة بالبيانات القادة عن التابعين.

    بالنسبة للمديرين العامين والمستثمرين الدوليين، الدرس مزدوج: تتطلب السعودية قراءة تفصيلية، مدينة تلو الأخرى، وقطاع تلو الآخر، لكنها تتطلب أيضًا بنية تحتية تقنية قادرة على تحويل هذا التفصيل إلى قرارات تشغيلية. لم يعد المتوسط موجودًا، والحدس لم يعد كافيًا.

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن