دور الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في مكافحة التزييف

  • بقلم : فيشنو تيمني

    المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط في " اتش بي"

    التزامن مع ابتكار العملات النقدية في القرن السادس قبل الميلاد، ظهرت أولى عمليات التزييف والتقليد في العالم، وكانت أثينا أول مجتمع يتبنى تشريعات خاصة بمكافحة هذه الجرائم . وبدءاً من ذلك الحين، سجّل التاريخ نمطاً متشابهاً من الأفعال وردود الفعل، حيث يذهب المقلّدون والمزيِّفون دائماً إلى أبعد الحدود، بما يضطر المشرّعين إلى اللحاق بهم في ابتكار طرق جديدة للتحقق من أصالة المنتجات.

    وفي عصرنا الرقمي حالياً لا تختلف الأمور من حيث المبدأ، إلا أن الأدوات التي يستخدمها المُزيِّفون قد تطورت؛ حيث يلجؤون إلى استخدام التقنيات المتقدمة لصنع سلع مقلّدة يصعب تحديد أصالتها، وقد تصل إلى رفوف أكثر المتاجر حرصاً وحذراً. ومع ذلك، تعتمد شركات اليوم على التكنولوجيا الذكية لمساعدتها في محاربة المنتجات المزيّفة، تماماً كما حرص الإغريق القدماء على محاربة التقليد من خلال تشريعاتهم الرائدة.

    كلفة التزييف: حماية الأموال والحفاظ على السُمعة
    يُشكل التزييف مشكلة عويصة للعديد من الشركات، على الرغم من تخصيص الموارد الكبيرة لوقف انتشار البضائع المقلدة. وقد يكون للتقليد المستمر أثر مالي كبير على قطاعات الأعمال؛ حيث تتعرض الشركات والمستهلكون على حد سواء لأضرار المنتجات الزائفة التي تباع باعتبارها أصلية. وبحسب آخر التقييمات الصادرة بعنوان "الآثار الاقتصادية للتزييف والقرصنة"، قد تصل قيمة الخسائر الناجمة عن التقليد والتزييف حول العالم إلى 2.3 تريليون دولار بحلول عام 2022
    وفي خضم المخاوف المالية المذكورة، ينبغي على العلامات التجارية أيضاً مراعاة الضرر المحتمل الذي قد يتسبب به التقليد على سُمعتها. حيث يُظهر مؤشر إيدلمان للثقة لعام 2021 أن قطاع الأعمال يتفوق على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ووسائل الإعلام باعتباره الجهة الأكثر ثقة لدى المجتمع، وهذا يعني أن العلامات التجارية الحالية تتحمل بعض المسئولية عن معايير الكفاءة والمبادئ الأخلاقية.

    الحلول الرقمية: تجديد أدوات مكافحة التزييف
    تضمن الابتكارات الرقمية للشركات قدرة الحفاظ على عافيتها المالية وسمعتها عبر الإنترنت، بفضل ما توفره لها من إمكانية الوصول إلى مجموعة جديدة كاملة من أدوات مكافحة التزييف:
    المعالجة المتقدمة للصور


    يتميز المقلّدون الحاليون بمهارتهم في الحصول على المواد والجمع بينها وبين التصميمات المعقدة. ونتيجة لذلك، أصبح التمييز بين المنتجات الحقيقية والمزيفة تحدياً متفاقماً. وقد يُمثل تزييف المنتجات المعقدة مثل خراطيش وأحبار الطباعة مشكلة معقدة، حيث يعمد المزيِّفون إلى تغيير التركيبات الكيميائية لإيجاد منتجات مزيّفة أقل فعالية وقد تكون ضارة، وعلى هذا المستوى من التعقيد، عادة ما تبدو الأساليب التقليدية لتحديد أصالة المنتجات قديمة وغير مجدية.
    ومن جهة أخرى، تساعد الملصقات الرقمية للتحقق من الأصالة، والمعالجة المتقدمة للصور، في قلب الأوضاع. وتستفيد هذه الملصقات المبتكرة من عناصر التحديد الرقمية الفريدة، مثل رموز التشفير التي لا يمكن التحقق منها إلا عبر قاعدة بيانات رئيسية. وبعد الفحص، تُستخدم المعالجة الحديثة للصور، غالباً من خلال تطبيق هاتف ذكي، للتحقق من صحة العلامات الرقمية دون الحاجة إلى تدخل بشري. وتتضمن ملصقات أمان HP المطبوعة عناصر مثل صور الليزر المجسمة ورموز الاستجابة السريعة QR لتسهيل التحقق، وتتيح للعملاء مجالاً لفحص المنتجات عبر الإنترنت أيضاً.
    تقنيات التتبع والتعقّب
    يُساعد وضع ملصقات التحقق والأمان في التتبع الدقيق للمنتجات خلال عمليات التصنيع والتوزيع والشحن، وهو أمر مفيد بشكل خاص لشركاء التوزيع وتجار التجزئة الذين يربطون عادة بين المصنعين وبين المستخدمين النهائيين. وتتطلب تقنيات التتبع والتعقب نظاماً قادراً على معالجة تدفقات البيانات الهائلة بصورة فورية. وبدون هذا النظام الفعال، ستفتقر الشركات إلى الرؤية الشاملة، وهو ما يتيح أمام المقلدين فرصة لتعريض سلامة منظومة التوريد للخطر، ويُكبد الشركات في هذا القطاع خسائر كبيرة.
    ويشير تقرير تحالف مورّدي تجهيزات التصوير (ISC) إلى أن القيمة السنوية لخراطيش الطباعة المزيفة حول العالم تتجاوز 3 مليارات دولار . ونتيجة لذلك، ينبغي على الشركات التأكد من الاستخدام الدائم لأنظمة التتبع والتعقّب الخاصة في المستقبل. وبالنسبة لأحبار HP، يتطلب ذلك استخدام الرقمي التسلسلي لخراطيش الطباعة، والذي تُشكل نسبة 85٪ من تجهيزات الطباعة المستهدفة بالتزييف . ولا تتوقف فائدة هذا النوع من الإجراءات عند الكشف عن عمليات التزييف والتقليد فحسب، بل تسهم أيضاً بفعالية في إيقاف أنشطة التزييف التي لا تستوفي المعايير الحقيقية للمنتجات.
    حماية العلامة التجارية عبر الإنترنت
    في ظل انتشار جائحة "كوفيد-19" توجه المستهلكون نحو استخدام الإنترنت بصورة غير مسبوقة، بما جعل الاقتصاد الرقمي في مركز الصدارة. وبرغم محاولة أفضل برامج مكافحة التزييف اكتشاف المنتجات المقلدة قبل ظهورها على مواقع الإنترنت، إلا أن الجائحة جعلت من إجراءات التحقق اللازمة لتتبع المكونات المزيفة عملية أكثر صعوبة، بسبب المخاوف الصحية أو قيود السفر أو الموارد المحدودة. ونتيجة لذلك، ينبغي على الشركات اعتماد إجراءات قوية لحماية علاماتها التجارية عبر الإنترنت الآن أكثر من أي وقت مضى.
    كما ينبغي على جميع الأطراف المعنية، من الشركات المصنعة والموزعين وتجار التجزئة، العمل معاً والحرص على تضافر الجهود بينهم. ولحسن الحظ، تُساعد البيانات الضخمة والتحليلات الآلية المتقدمة بدعم تلك الأطراف في المواجهة، من خلال الدور الكبير الذي يسهم به الذكاء الاصطناعي. ومع الجمع بين العناصر المختلفة، مثل شبكات الإنترنت العصبية، وتحليلات الفيديو، يساعد الذكاء الاصطناعي في مكافحة التزييف عبر اكتشاف أكثر التعديلات المادية تعقيداً، أو من خلال تعقب العمليات الاحتيالية عبر الإنترنت. وبعيداً عن عالم الإنترنت، تساعد مثل هذه التكتيكات المحققين على أرض الواقع في تحديد أماكن ومستودعات المنتجات المزيفة.

    أهمية الالتزام الجماعي بالأصالة
    على الرغم من التاريخ الذي يُعيد نفسه، يُعتبر ظهور التكنولوجيا الرقمية الخاصة بكشف التقليد بشارة ببدء عصر جديد في مكافحة التزييف. وبنفس القدر من الأهمية، يُمثل التوافق بين العديد من أصحاب المصلحة المشاركين في اكتشاف أعمال التزييف الاحتيالية والقضاء عليها، نهجاً حيوياً سليماً ينبغي على الجميع اتباعه.
    وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، ساعدت شركة HP في مصادرة أكثر من 12 مليون سلعة مزيفة من خراطيش الطابعات والأجهزة والمنتجات والمكونات في أكثر من 60 دولة في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، وذلك بالتعاون الوثيق مع هيئات إنفاذ القانون الدولي. وبالإضافة إلى ذلك، يواصل برنامج مكافحة التزييف والغش من HP جهوده الهادفة إلى تثقيف المستهلكين والشركاء حول مخاطر استخدام تجهيزات الطباعة المزيفة والأضرار الكبيرة التي يُمكن أن تسببها.

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن