نبضات قانون "تفضيل المنتج المحلي".. أزمة ثقة أم أزمة فرص بقطاع التكنولوجيا

  •  

    بقلم : خالد حسن

     

    في الوقت الذي تسابق فيه الدولة المصرية الزمن للتحول الرقمي الشامل، وتقليل الاعتماد على النقد الأجنبي، يقبع القانون رقم 5 لسنة 2015 (المعدل بالقانون رقم 90 لسنة 2018) الخاص بتفضيل المنتجات المصرية في العقود الحكومية في "منطقة رمادية". فرغم أن القانون يُلزم الجهات الحكومية بمنح أفضلية سعريّة للمنتج المحلي تصل إلى 15%، وبنسبة مكون محلي لا تقل عن 40%، إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة كبيرة بين نصوص التشريع وآليات التنفيذ؛ فجوة تدفع ثمنها شركات التكنولوجيا والبرمجيات المصرية التي تتطلع لـ "الطلب الحكومي" كطوق نجاة وقاطرة للنمو.

     

    وفي الحقيقة لا أحد يعلم  لماذا يتعطل القانون ؟ فالتحقيق في أسباب غياب التفعيل يطرح علامات استفهام حول البيروقراطية التنفيذية ومنها " تعنت الجهات الإدارية" وتفضل الكثير من الهيئات الحكومية والشركات القابضة الاعتماد على الحلول والبرمجيات الأجنبية الجاهزة (العقدة التاريخية من الخواجة)، بحجة "سابقة الأعمال" الضخمة، وهي شروط تُقصي الشركات المصرية الناشئة والمجتهدة مسبقاً من كراسات الشروط .

     

    ثانيا " غياب الرقابة والردع " اذ لا يمكن تحريك دعاوى جنائية ضد الجهات الحكومية المخالفة للقانون إلا بطلب رسمي من وزير الصناعة، مما يضعف آليات المحاسبة. كما أن اللجنة العليا المكلفة بمتابعة تنفيذ القانون لم تجتمع بانتظام لتقييم الالتزام علاوة على عدم اجتماع اللجنة العليا المشكلة لمتابعة تنفيذ القانون إلا مرات معدودة خلال السنوات العشر الاخيرة مما أدى لاختلال تطبيق القانون بالاضافة الى عدم جواز تحريك دعوي جنائية ضد الشركات والهيئات الحكومية المخالفة للقانون إلا بناء على طلب رسمي من وزير الصناعة مما يعطل ردع المخالفين.

    ثالثا عدم " تفضيل المنتج المحلي" فقطاع التكنولوجيا ليس مجرد مصانع حديد أو أسمنت؛ انما قطاع يعتمد على العقول والبرمجيات (Software) وحلول الشبكات ومراكز البيانات كما تطبيق القانن توفير الآلاف من فرص العمل الجديدة ويخفف الضغط على العملات الأجنبية.

     

    رابعا " تجاهل القيمة المضافة " فالمكون المحلي في التكنولوجيا يتمثل في "الملكية الفكرية" والأكواد والجهد البشري للمهندسين المصريين وعدم تفعيل القانون يجعل المشتري الحكومي يقارن برمجيات مصرية واعدة بمنتجات شركات عابرة للقارات، دون النظر لتوفير العملة الصعبة أو الأمن السيبراني القومي.

     

    خامسا " غياب تصنيف المنتجات التكنولوجية " حيث  تفتقر الأسواق لقاعدة بيانات حكومية موحدة ومحدثة تصنف حلول التكنولوجيا والاتصالات المصنوعة بمصر، مما يجعل الجهات الحكومية تدعي "عدم توافر البديل المحلي المستوفي للمواصفات".

     

    وفى تصورى ان دور تفعيل القانون "رقم 5 " يمكن ان يساهم بقوة في تنمية الطلب على حلول الشركات المصرية ومن ثم فان تفعيل القانون ليس "رفاهية"، بل هو المحرك الأساسي لخلق سوق تكنولوجي مستدام عبر خلق سوق مرجعي (Reference Market) فعندما تشتري الحكومة المصرية نظام تشغيل، أو حلول "إدارة موارد المؤسسات" (ERP)، أو تطبيقات ذكية من شركة مصرية، فإنها تمنح هذه الشركة "سابقة أعمال حكومية" تمكنها من التصدير للخليج وأفريقيا.

     

    كذلك سيكون له تأثير فى " تحفيز الابتكار والتوظيف " المشتريات الحكومية تمثل القوة الشرائية الأكبر. توجيهها للداخل يعني ضخ مليارات الجنيهات في شرايين الشركات المصرية، مما يدفعها لتعيين آلاف المبرمجين والحد من "هجرة العقول" ناهيك عن دوره فى تحقيق " السيادة الرقمية " الاعتماد على العقول المحلية في بناء قواعد بيانات الدولة والحلول الخدمية يحمي الأمن القومي المعلوماتي، ويجعل التحديث والدعم الفني مستمرًا بأيدي مصرية وبكلفة محلية، بعيدًا عن تقلبات أسعار الصرف.

     

    وفى اعتقادي انه من المهم تفعيل سرعة " قانون تفضيل المنتج المحلي " بما يساهم في زيادة الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة وتحسين جودة المنتج المصري وتقليل الإعتماد على الاستيراد ورفع مستوى معيشة المواطنين ، اذ يرى بعض الخبراء ، ضرورة إدخال بعض التعديلات ومنها تخفيض النسبة المطلوبة في المكون المحلي من 40 إلى 30% لتشجيع الصناعة المحلية وزيادة فرصها في التعاقدات الحكومية وإتاحة الفرصة أمام دخول منتجات مصرية أخرى ، مع إعفاء المشروعات الصغيرة من التأمين الابتدائي والنهائي في العقود الحكومية وتخصيص 10% من عقود مشروعات الجهات الحكومية للشركات الناشئة علاوة على إنشاء قاعدة بيانات تشمل أصناف الإنتاج المحلي وإلزام الجهات الحكومية بالاختيار منها توفير تيسيرات ضريبية وتمويلية للمشروعات الصغيرة لزيادة قدرتها على الدخول في المناقصات وعقود المشتريات الحكومية.

     

    فى النهاية نؤكد أن قانون "تفضيل المنتج المحلي " هو بمثابة ثروة تشريعية معطلة تحرم شركات التكنولوجيا المصرية من قاطرة "الطلب الحكومي" وأن إنفاذ هذا القانون وتطبيقه على قطاع التكنولوجيا يتطلب الانتقال من "الشعارات" إلى "الآليات الرقمية" ويجب أولاً تخفيض شروط سابقة الأعمال للمشروعات التكنولوجية الصغيرة، ، ثانيا اطلاق منصة رقمية موحدة تحت إشراف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهيئة " اييدا " تدرج كافة البرمجيات والحلول المصرية المعتمدة ، وبالطبع فان دعم المنتج التكنولوجي المحلي لم يعد مجرد خيار اقتصادي لحماية العملة، بل هو قرار استراتيجي لتحديد مكان مصر على خريطة الابتكار العالمي؛ فالإرادة السياسية لبناء "مصر الرقمية" يجب أن تتكامل مع إرادة تنفيذية تثق في العقل المصري وتمنحه الأولوية في دفاتر المشتريات الحكومية.

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن