الثورة الصناعية الرابعة – السوبر كمبيوتر " 12 "

  • بقلم : د  . أشرف عطية

    استكمالا لموضوع الثورة الصناعية الرابعة والتي ترتكز على العلم والابداع والابتكار وتشابك وتكامل ودمج العلوم وتكنولوجيا المعلومات والحاسبات والاتصالات محورا لها في التطبيق والابتكار لكثير من المجالات .لذا سأتحدث في هذا الجزء عن محور مهم من محاور الثورة الصناعية الرابعة ألا وهو الحاسبات العملاقة ( السوبر كمبيوتر ).

    حيث يمر العالم الان بأكبر وأهم المعارك الفكرية والتكنولوجية الدائرة بين القوى العظمى في العالم وفي حقيقة الامر هي معارك للهيمنة والسيطرة والتحكم في العالم من خلال المعرفة والتكنولوجيا وخاصة تكنولوجيا صناعة الحاسبات والالكترونيات والتي ظهرت جليا في الصراع على من يمتلك أكبر وأسرع وأضخم جهاز سوبر كمبيوتر على مستوى العالم .

    اجدير بالذكر في سنة 2020م قامت شركة اي بي ام IBM الأمريكية بتدشين سوبر كمبيوتر ضخم تحت اسم سوميت (Summit) حيث بلغت سرعة هذا الحاسب الضخم 148,6 بيتا فلوب وهو مايعادل بالمقاييس العادية القيام 148,6 ألف تريليون عملية حسابية في الثانية الواحدة وكان يتربع على عرش الحاسبات الضخمة على مستوى العالم . ثم أعلنت اليابان عن سوبر كمبيوتر جديد واسمه فوجاكو والذي بلغت سرعته 415,53 بيتا فلوب وهو مايعادل 415,53 ألف تريليون عملية حسابية في الثانية الواحدة وسرعته تعادل 20 مليون هاتف ذكي معا وأيضا يعادل كفاءة انسان يقوم بحساب معادلات حسابية بسيطة لمدة 32 مليون سنه والذي يقوم بها هذا الكمبيوتر في ثانية واحدة .

    ويستهلك الجهاز الأضخم والأسرع على مستوى العالم طاقة كهربائية تكفي لاستهلاك 10 آلاف منزل للكهرباء بفاتورة لا تقل عن 10 ملايين دولار سنويا رغم استخدام مواد وتصميم وتكنولوجيا حديثة تعمل على خفض والاقتصاد في استهلاك الطاقة .

    اذا السؤال الذي يطرح نفسه ماهي الفائدة ولما تلك المعارك العنيفة لامتلاك تلك الاجهزة العملاقة ؟

    والاجابة على هذا السؤال تتلخص في صراع الكبار على الهيمنة من اجل السيطرة على العالم ومقدراته لمن يمتلك العلم والعمل به لكي تكون له الغلبة واليد العليا ، لذا فإن الدول العظمى تتصارع في حرب بشكل جديد لعصر جديد وبأساليب جديده ليس للجهلاء والضعفاء مكان بل سيكونوا تابعين لدرجة العبودية .

    والاستحواذ على التكنولوجيا بجميع أنواعها وأشكالها هي محاور وادوات للقوة والهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية كما ان السباق والصراع على امتلاك واستحواذ السوبر كمبيوتر والحاسبات العملاقة بإمكانياتها الضخمة الهائلة يحقق لتلك الدول العظمى المتصارعة الكثير من الاهداف والمهام منها :

    1 – إستخدام تلك الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات لمحاكاة المفاعلات النووية في الأغراض العسكرية والأمنية وأيضا للأغراض المدنية من أجل توليد الطاقة .

    2 – تحقيق كثير من الإنجازات والاكتشافات العلمية الهائلة في مجالات متعددة مثل العلوم الجينية والطبية والتكنولوجيا الحيوية وعلوم الوراثة والغذاء والدواء والعقاقير والتي لاتتحقق إلا بامتلاك مثل هذه الحاسبات العملاقة الفائقة السرعة .

    3 – الاستخدام الفعال والمؤثر في العلوم الكونية والفضاء و أيضا التنبؤ بحالات الأرصاد الجوية والزلازل والبراكين والفيضانات والكوارث الطبيعية بفترات كبيرة قبل حدوثها .

    4 – صناعة الأسلحة الحديثة والمتطورة والتي تعتمد على السرعة ودقة إصابة الأهداف سواء من المواقع الثابته او عن طريق الطيران المعتمد على الاتصالات والاقمار الصناعية والطائرات بدون طيار .

    5 – التنقيب عن النفط والمعادن وخواص المعادن المختلفة والطاقة المتجددة .

    6 – الاستخدام في مجالات تطبيقات تكنولوجيا النانو المتعددة والتي تتحكم في صفات وشكل الخواص لجميع المواد واستخدامها في اغراض ومجالات كثيرة في الصناعة بكل انواعها ومجالاتها .

    7 – تحقيق الثروات الطائلة من وراء الاكتشافات والاختراعات والتطبيق لكثير من العلوم الحيوية والتكنولوجية في ظل اقتصاد الوفرة المعرفي والذي يخلق مجتمعا دوليا جديدا وشكل سياسي واقتصادي واجتماعي وبيئة مختلفة عن الماضي والمعتمد على الاقتصاد التقليدي .

    ولهذا بدأت الأوساط السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية والأوروبية تشعر بالقلق والاضطراب من التفوق الأسيوي لهذا المجال بشكل قد ينال من القدرات التنافسية الاقتصادية والعسكرية والسياسية لأمريكا وأوروبا. وقد حذر المركز الأمريكي للتنافسية والذي يضم النخبة العلمية والمالية من أن الزمن لن يرحم من يتخلف عن التفوق في مجال تكنولوجيا المعلومات والحاسبات والإلكترونيات .

    وببساطة شديدة لا تنافسية بدون علم وإبداع وابتكار وتطبيق ونشر ، ولا تطبيق للإبداع والابتكار والعلم بدون تفوق حاسم في صناعة تكنولوجيا المعلومات والحاسبات ومشتملاتها .

    إذا فأين نحن الآن من هذا الصراع الذي بدأ منذ سنوات وتحركت له الدول الكبرى بشكل كبير وسريع ليتغير شكل الخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية والهيمنة لمن يمتلك العلم والإبداع والابتكار والتكنولوجيا والتطبيق . أعتقد أننا لابد من اتخاذ وقفة مع أنفسنا لتقييم الوضع الحالي ورسم استراتيجية وطنيه وقومية سريعة وفعالة دون صيحات وهتافات لا تسمن ولاتغني من جوع من اجل تحقيق الرفعة والرقي والنهوض بالوطن والمواطنين في ظل هذه الصراعات والحروب الخفية الشرسة والعنيفة التي سيتأثر بها العالم كله خلال الفترة القصيرة القادمة .

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن