أخر الأخبار

نبضات مصر والصين شراكة تكنولوجية .. لتوطين صناعات القرن الحادي والعشرين

  •  

    بقلم : خالد حسن

    تتجه الأنظار اليوم نحو صياغة خريطة اقتصادية وجيوسياسية جديدة تقودها التكنولوجيا المتقدمة وفي قلب هذا التحول، تبرز الشراكة التكنولوجية بين مصر وجمهورية الصين الشعبية كواحدة من أهم الركائز الاستراتيجية التي تعزز طموحات القاهرة في التحول إلى مركز إقليمي رائد للتكنولوجيا والاتصالات في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. إن هذا التعاون ليس مجرد تبادل تجاري تقليدي، بل هو تحالف استراتيجي يستهدف توطين المعرفة وبناء بنية تحتية رقمية فائقة القدرة.

    فمنذ إرتقاء العلاقات بين البلدين الصديقين " مصر -والصن " إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما ، المبرمة في عام 2014، تمكن البلدين من القيام بدور فعال في صياغة التفاعلات الدولية ضمن نظام عالمي يشهد تغيرات مُتلاحقة ومُهمة في المرحلة الراهنة كما شهدت العلاقات المصرية الصينية قفزة تاريخية غير مسبوقة، حيث تحولت هذه الشراكة الاستراتيجية من مجرد تبادل تجاري واستثمارات تقليدية في البنية التحتية إلى شراكة تكنولوجية عميقة تستهدف صناعة المستقبل حيث حققت العلاقات المصرية الصينية طفرة ملموسة في عدد من المجالات لاسيما فيما يتعلق بتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا باِعتبار ذلك يحتل أولوية لدى البلدين .

    وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، لترسخ مكانة مصر كمركز إقليمي رائد للتكنولوجيا الرقمية والتصنيع المتطور يربط بين قارات آسيا، إفريقيا، وأوروبا

    وفى ظل التوجه المصري الحالي الذى لا يهدف فقط إلى استهلاك التكنولوجيا أو استيرادها الجاهزة، بل يرتكز على توطين المعرفة، وتعميق التصنيع المحلي، وبناء بنية رقمية فائقة الذكاء بالتعاون مع العملاق الصيني ، استقبل مؤخرا السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئيس شي جينبينج، رئيس جمهورية الصين الشعبية، وذلك في إطار زيارة رسمية قام بها إلى مصر في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، حيث شهدا توقيع المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا العلومات المصي مع تشينغ تشانغ بى، رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية، مذكرة تفاهم بشأن التعاون فى مجالات تكنولوجيا المعلومات بين مصر والصين اذ سيركز البلدين خلال المرحلة المقبلة على فتح آفاق جديدة للتعاون التكنولوجى والرقمى من خلال توسيع التعاون فى التكنولوجيا المتقدمة والتركيز على مجالات الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والاقتصاد القائم على البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبرانى.

    كما شاد الرئيسان باستمرار التعاون الناجح في المشروعات الكبرى في مجالات الفضاء والتكنولوجيا والبنية التحتية والنقل والطاقة والتصنيع ، بما في ذلك استمرار تنفيذ خطة التعاون المشترك لمبادرة الحزام والطريق، ودعم الجانبين لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ودعم شركات الجانبين للقيام بالتعاون في مشروعات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي للاجهزة الذكية .

    كذلك شهدت الزيارة الإعلان عن الاتفاق على اطلاق المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يُطلق مرحلة جديدة من الأعمال في قطاعات رئيسية مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية من خلال نقل أحدث التقنيات الصينية الى مصر بالاضافة الى تجديد اتفاقية تبادل العملات بين البلدين وزيادة قيمتها اذ أعرب الرئيسان عن تقديرهما للتعاون المالي القائم بين الجانبين، بما في ذلك إصدار سندات "الباندا" الصينية، وتوسيع ترتيبات تبادل العملات المحلية، وتشجيع المؤسسات المالية في البلدين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية ومشروعات البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي. 

    وتجسيداً لما تقدم سوف تسهم هذه الاتفاقيات في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وذلك عبر العمل على تعزيز الشراكات المصرية-الصينية المشتركة، وتشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر، والعمل بنشاط على بحث  سبل التعاون في مجالات توطين الصناعة بما في ذلك صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأبراج الرياح وغيرها، وكذا في مجال تحلية مياه البحر، وتوسيع التعاون في التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة، والزراعة وصناعة السيارات، وتعزيز بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات والتكنولوجيات في هذه المجالات، بما يسهم في دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر.

    فى تصورى أن نحتاج الى تكرار نماذج الشراكة الناجحة بين البلدين فى عدد من مجالات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ومنها على سبيل المثال النجاح فى توطين صناعة الالكترونيات من خلال تصنيع اجهزة الهواتف المحمولة والحواسيب محليا باستثمارات 200 مليون دولار وبطاقة انتاجية 20 مليون هاتف سنوياً من خلال قيام نحو العديد من علامة تجارية الصيني ، ومنهم فيفو وشاومي واوبو وإنفينيكس وريلمي وهونر وتكنو،  بانتاج نحو 10 ملايين جهاز عام 2025، بنسبة مكون محلى تتجاوز 42 % من خلال تصنيع اللوحة الأم (Motherboard) محلياً ، مع استهداف أن يتجاوز 15 مليون جهاز بنهاية عام 2026 بما يتيح نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة للشباب المصري مع التخطيط لجذب مليار دولار بحلول 2030 .

    وفى اعتقادي هناك قصة نجاج أخرى للشراةك التكنولوجي بين البلدين والتى تتمثل فى الأجهزة المنزلية الذكية حيث تقود شركات صينية عملاقة ، مثل Haier وMidea ، طفرة في التصنيع الذكي للأجهزة المنزلية في مصر بهدف التصدير إلى الأسواق العربية والإفريقية، مستفيدة من الحوافز بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

    وفى ظل ثورة الرقمية ، التى نعيشها حاليا ، لمراكز البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي تخوض مصر حالياً غمار منافسة دولية محتدمة لاستقطاب الاستثمارات التكنولوجية الفائقة، مستفيدة من موقعها الفريد الذي يمر عبره 21 كابلاً بحرياً دولياً تنقل نحو 90% من حركة البيانات بين الشرق والغرب ففي سباق " مراكز البيانات " تقدمت شركة هواوي تكنولوجيز الصينية بمقترح ضخم لضخ استثمارات بمليارات الدولارات لإنشاء مركز معلومات متطور للحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مصر اذ سيضم أكثر من 2000 رقاقة إلكترونية عالية السرعة والدقة لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي وطني اذ ترتكز الآليات على نقل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة (تحليل البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء)، وبناء القدرات البشرية عبر الشراكة بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية والشركات الصينية الكبرى، مما يسهم في رفع كفاءة التشغيل بنسبة كبيرة وتخفيض تكاليف الاقتصاد الرقمي.

    ومن ثم تأتي أهمية تعزيز هذه الشراكة في وقت تسعى فيه الدولة المصرية بقوة نحو توطين صناعة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي حيث تمتلك مصر موقعًا جغرافيًا عبقريًا يجعلها ملتقى لكابلات الإنترنت البحرية العالمية، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية فريدة لاستضافة مراكز البيانات العملاقة. ومن خلال التعاون مع الشركات الصينية ، التي تمتلك خبرات متطورة وتقنيات متقدمة في الحوسبة السحابية وإدارة البيانات الضخمة، تستطيع مصر تسريع وتيرة بناء مراكز بيانات خضراء ومستدامة. هذا التوطين لا يحمي الأمن القومي للمعلومات فحسب، بل يقلل أيضًا من زمن استجابة البيانات (Latency) ويجذب الاستثمارات العالمية لقطاع الخدمات الرقمية.

    وعلى صعيد الذكاء الاصطناعي، يفتح التعاون المصري الصيني آفاقًا غير مسبوقة لبناء قدرات وطنية قادرة على مواكبة الثورة الصناعية الرابعة. فالصين تعد من القوى العظمى في تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مجالات المدن الذكية، والرعاية الصحية، والنقل، والتعليم. نقل هذه الخبرات وتوطينها في مصر يسهم في إعداد جيل من الكوادر البشرية المؤهلة، وتطوير حلول ذكية محلية تلبي احتياجات المجتمع وتدعم اتخاذ القرار المبني على البيانات.

    وإتساقا لما سبق فإن الشراكة التكنولوجية بين مصر والصين تمثل نقطة تحول جوهرية للاقتصاد المصري؛ فهي تضمن للاقتصاد القومي الانتقال الآمن نحو "الاقتصاد الرقمي المعرفي". تكمن الأهمية القصوى لهذه الآليات في خفض الاعتماد على استيراد الأجهزة الجاهزة، وتوفير العملة الأجنبية، ودمج مصر في سلاسل الإمداد العالمية لأشباه الموصلات والإلكترونيات المتقدمة فالأمر لا يتعلق فقط بأرقام استثمارية ضخمة، بل بـتأسيس قاعدة صناعية ذكية ومستدامة تجعل من مصر قلعة تكنولوجية إقليمية قادرة على قيادة القارة الإفريقية وصناعة مستقبل رقمي بأيدي علمائها وشبابها .

    فى النهاية نؤكد أنه في ظل إرادة سياسية واضحة للاِرتقاء بآفاق التعاون الثنائي  بين البلدين نتطلع لاستمرار العمل مع الصين لتحقيق المزيد من النتائج المثمرة خاصة فى مجال توطين صناعات القرن الحادي والعشرين ، والمتمثلة فى مراكز البيانات والحوسية السحابية والذكاء الاصطناعي وتصميم الرقائق الالكترونية والأجهزة الذكية والحواسيب والسيارات الذكية ، واضعين فى الاعتبار أن تعميق الشراكة التكنولوجية بين مصر والصين يعد خيارًا حتميًا واستراتيجيًا لتحقيق التنمية المستدامة ورؤية مصر الرقمية وإنها خطوة عملية للانتقال ببلادنا إلى مصاف الدول المنتجة للمعرفة والتكنولوجيا، وتحصين الاقتصاد الوطني بأدوات المستقبل .

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن