بقلم: خالد حسن
تشهد الدولة المصرية في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من بناء القوة والتحديث. ولا يقف هذا التحديث عند حدود البنية التحتية والمدن الذكية فقط، بل يمتد لعمق مفهوم الأمن القومي. ويأتي افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة «الأوكتاجون» ليعلن بوضوح أن مصر دخلت رسمياً عصر "الحروب الذكية" والقيادة والسيطرة الفائقة والتأمين الشامل.
وفي خطوة تؤسس لعهد جديد من القوة والريادة الإقليمية، يقف «الأوكتاجون» في قلب العاصمة الجديدة شاهدًا على تحول تاريخي فهذا الصرح العملاق ليس مجرد منشأة عسكرية متطورة، بل هو العقل المفكر والقلب النابض لمنظومة الأمن القومي المصري في عصر الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية ويعد بمثابة العبور الثالثة للقوات المسلحة المصرية من أجل الحفاظ على سلامة الوطن
ففي عصر أصبحت فيه المعلومة هي الوقود الحقيقي للتنمية، لم تعد الإدارة الحكومية تعتمد على المكاتب التقليدية والطلبات الورقية؛ بل انتقلت إلى "قاعات عمليات" ذكية تعمل على مدار الساعة. تبرز مراكز التحكم والسيطرة والدعم الفني اليوم كحجر زاوية في بناء "الدولة الذكية"، حيث تمثل العصب المركزي الذي يضمن استمرارية الخدمات الرقمية ويراقب أداء المؤسسات بلغة الأرقام والبيانات اللحظية .
ويعد هذا الصرح بمثابة العقل الرقمي المحصن للدولة، إذ يدمج كافة مراكز العمليات تحت سقف واحد وبمنظومة اتصالات معزولة ومؤمنة بالكامل ضد التهديدات السيبرانية الحديثة، بما يضمن سرعة الاستجابة اللحظية وحماية مقدرات الوطن .
كما أن افتتاح «الأوكتاجون» يشكل تجسيدًا عمليًا لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة، إذ يضم أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، بما يعزز سرعة اتخاذ القرار، ويرفع كفاءة التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، ويزيد من جاهزية الدولة للتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية. كما يمثل إضافة استراتيجية للبنية التحتية للدولة في إطار تحديث شامل لمنظومة القوات المسلحة بما يواكب التطورات العسكرية والتكنولوجية الحديثة.
وفى تصورى تتجلى أهمية هذه الخطوة في كونها تعكس تكامل استراتيجي داخل العاصمة الجديدة، لتصبح مركزًا متكاملًا لإدارة شؤون الدولة ومؤسساتها السيادية، بما يعزز استمرارية العمل المؤسسي ويرفع كفاءته، ويجعل العاصمة الجديدة منصة حديثة لإدارة الدولة بمفهومها الشامل، بما يتوافق مع متطلبات الحاضر والمستقبل.
كما أن الانتقال إلى «الأوكتاجون» يوجه رسالة واضحة للعالم بأن مصر تمتلك أدوات الردع الحديثة لحماية مقدراتها الاقتصاديّة والسياسيّة. ويعكس قدرة الدولة على إدارة شؤونها بأحدث الوسائل التكنولوجية، مما يعزز مكانتها كقوة إقليمية قائدة قادرة على مجابهة تحديات القرن الحادي والعشرين بكفاءة واقتدار.
وفى نفس الاطار كان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تفقد منذ نحو 4 شهور ، مركز التحكم والسيطرة والدعم الفني في الحي الحكومي بالعاصمة الجديدة، ورافقه المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ، موضحا أن البنية المعلوماتية المنفذة والتجهيزات التكنولوجية لصالح الجهات الحكومية بالحي الحكومي بالعاصمة الجديدة هي ضرورة لحصول الجهات الحكومية المختلفة على الخدمات التكنولوجية من مركز البيانات الرئيسي للدولة بالقيادة الإستراتيجية .
وتم تنفيذ هذه البنية التكنولوجية طبقاً لأعلى المعايير القياسية وتعتبر هي الأكبر حجماً والأعلى تكنولوجياً في منطقة الشرق الأوسط، فمع العدد الكبير من الجهات الحكومية المختلفة بالحي الحكومي، ومع هذا العدد من الموظفين المنتقلين للعمل به، كان هناك ضرورة لإيجاد آلية فعالة لتلقي بلاغات الأعطال التي تحول دون حصولهم على الخدمات التكنولوجية المختلفة، وتحول دون وصولهم لتطبيقاتهم التشاركية والتخصصية من مركز البيانات الرئيسي للدولة بالقيادة الاستراتيجية على كل من السحابة الحكومية المغلقة G-cloud) ) وعلى السحابة الحكومية العامة P – cloud)) .
وتم تجهيز مركز التحكم والسيطرة والدعم الفني طبقا لأعلى المعايير القياسية والتكنولوجية التي تمكنه من القيام بتنفيذ جميع المهام الخاصة به والمتمثلة في الإدارة والمراقبة ومتابعة معدلات الأداء والسيطرة وحل المشكلات في الحي الحكومي بالعاصمة الجديدة، وكذلك تقديم الدعم الفني والصيانة لكل من أجهزة ومعدات شبكات نقل البيانات، وأجهزة ومعدات الصوتيات والمرئيات، وكذلك أجهزة ومعدات بوابات الدخول والخروج الإلكترونية وقارئ البيانات، بالإضافة إلى أجهزة الحواسب الآلية.
وتتيح " مراكز التحكم والسيطرة " مجموعة متوعة من من المستويات والخدمات حيث يتمثل المستوى الأول من الدعم الفني يتمثل في التنبؤ بالمشكلات، ومراقبة الشبكات والمعدات لحل المشكلات لتقليل زمن حل المشكلات وتحديد وتوصيف مكان المشكلة بدقة عالية؛ سعيا لضمان استمرار الخدمات الحكومية وعدم انقطاعها، وذلك من خلال اعتماد مسارات تبادلية، وتجهيز الحلول لسرعة الحل، كما يتم مراقبة مختلف التطبيقات الحكومية، التي تتيح سرعة التعرف على الأعطال وحلها في أقل وقت ممكن .
وفى الحقيقة تعد مراكز التحكم والسيطرة، تحولاً جذرياً في فلسفة العمل الحكومي. فبدلاً من انتظار شكاوى المواطنين عند تعطل نظام ما، تعتمد هذه المراكز على "الأنظمة المركزية الذكية" للمراقبة الاستباقية مع القدرة على " التنبؤ بالأعطال" والقدرة على تحديد المشكلات التقنية قبل وقوعها ومعالجتها فوراً على على " ضمان الاستمرارية " حيث يعمل فريق من المهندسين المتخصصين على مدار 24 ساعة لضمان عدم انقطاع التطبيقات الحكومية التشاركية، مما يعني وصول المواطن للخدمة في أي وقت ومن أي مكان.
ولا تكتمل منظومة التحول الرقمي دون "دعم فني" قوي؛ فالمركز يضم مستويات متعددة من الدعم لضمان حصول آلاف الموظفين في الحي الحكومي على المساعدة اللازمة للتعامل مع الأنظمة المعقدة مع " تحليل بلاغات الأعطال " اذ لا تقتصر المهمة على "الإصلاح" فقط، بل يتم تحليل كافة البلاغات لوضع خطط مستقبلية تمنع تكرار المشكلات وتطور الأداء الرقمي بشكل مستدام بالاضافة الى " تقليص زمن الاستجابة" تعتمد غرف العمليات على مراقبة الشبكات والتطبيقات لحظياً، مما يقلص زمن الاستجابة للأعطال إلى مستويات قياسية عالمية.
ولعل من أحد أهم أدوار مراكز السيطرة هو توفير "الخصوصية والأمان" لبيانات الدولة والمواطنين. من خلال الربط مع مركز البيانات الرئيسي للدولة عبر شبكات موحدة ومؤمنة بالكامل، يتم ضمان حماية الأصول الرقمية ضد أي تهديدات سيبرانية، مما يعزز الثقة بين المواطن والحكومة الرقمية.
وفى اعتقادي فإن الهدف النهائي من إنشاء هذه "القلاع التكنولوجية" ليس فقط امتلاك أحدث الأجهزة، بل تحسين حياة المواطن اليومية. فالمراكز الإقليمية للسيطرة الموحدة في المحافظات تلعب دوراً حاسماً في "سرعة الاستجابة للطوارئ " تقليل زمن وصول سيارات الإسعاف أو الحماية المدنية عبر التنسيق اللحظي بين مختلف الجهات ، بجانب " كفاءة الخدمات العامة " ضمان تشغيل منصات "مصر الرقمية" والخدمات الإلكترونية بكفاءة 100%، مما يوفر وقت وجهد المواطنين ويقضي على البيروقراطية علاوة على تحقيق " الشفافية والعدالة" من خلال المراقبة بالكاميرات والبيانات، تصبح عملية تقييم الأداء الحكومي دقيقة وقائمة على حقائق ميدانية.
وبالطبع فإن مراكز " التحكم والسيطرة " ليست مجرد مبانٍ مجهزة بشاشات عملاقة، بل هي تجسيد لقرار الدولة بالتحول نحو "الإدارة بالبيانات". ومع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي (مثل نموذج "كرنك" العربي) ، الذى طورته وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات كأحد أبرز التطبيقات العملية لتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي ، في هذه المراكز، نحن بصدد مرحلة جديدة من العمل الحكومي، حيث تصبح الخدمة أسرع، والقرار أدق، والمستقبل أكثر ذكاءً.
فى النهاية نؤكد إن «الأوكتاجون» ليس مجرد مقر جديد للجيش، بل هو العقل المفكر والدرع التكنولوجي الذي يحمي طموحات مصر التنموية. وبفضل هذه الخطوة، باتت مصر تمتلك واحدة من أعقد وأقوى منظومات القيادة والسيطرة في الشرق الأوسط، مما يضمن لشعبها الأمان، ويوجه رسالة للعالم بأن الأمن القومي المصري خط أحمر يحميه العلم، والتكنولوجيا، وقوة السلاح .








