اتركها وتوكل

  •        المتميزون

     

        بقلم : د . ياسر بهاء

     

    جاءني أحد الأصدقاء يشتكي من سوء ظروف عمله من ضعف الراتب ومسئوليات الحياة التي تتضاعف يوماً تلو الآخر فأخبرته أنني قد مررت بتجربة مشابهة من تسعة أعوام عندما قررت – بعد صراع دام لعدة سنوات – أن أترك وظيفتي كمدير فرع بأحد البنوك الوطنية فقط لعدم رغبتي في الاستمرار في مجال البنوك التجارية والرغبة إما في الانتقال إلى البنوك الإسلامية أو تغيير المجال كلياً وقد كان.

    بالطبع واجهت العديد من التحديات والصعوبات لإيجاد عمل آخر خاصة أنني تقدمت باستقالتي مع عدم وجود وظيفة أخرى ولكن تغيرت حياتي 180 درجة على مدار السنوات التالية لهذا القرار ولكن ليس الهدف من ذكر ذلك هو التشجيع على الاستقالة من وظيفتك ولكن تطبيق التجربة بشكل مشابه مع ما يُعكِّر صفو حياتك اليومية بعد حساب تكلفة الاستمرار فيما أنت عليه والعائد من التخلص منه.

    فمثلاً إن كنت في علاقة لا تأتيك إلا بالألم والشكوى اتركها وتوكل، إن كنت تدرس في مجال لا تجد نفسك فيه اتركه وتوكل، إن كنت بين مجموعة من الناس لا تسعد بهم اتركهم وتوكل، إن جاءتك مكالمة من شخص دائم الشكوى حتى منك على أتفه الأسباب اتركه وتوكل، إن كنت لا تستفيد مما تقوم به وما يحدث هو العكس من هم وحزن اتركه وتوكل، إن كان هناك من لا يلتمس لك الأعذار ودائم البحث عن زلاتك فاتركه وتوكل، إن كنت في وظيفة تستيقظ صباحاً وأنت تتمنى أن يكون اليوم إجازة اتركها وتوكل، إن كنت في أي مكان أو زمان لا يلبي ما تسعى إليه في الحياة وتتآكل حياتك يوماً بعد يوم فيما لا ينفعك بل بالعكس يضرك اتركه وتوكل ولكن تذكر أن يكون ذلك بحساب!

    ما أسهل أن تترك ما يؤذيك ولكن لا يكون ذلك بالانتقال إلى أذية أكبر فليس من الطبيعي أن تترك دراستك التي لا تستمتع بها قبل أن تأخذ بالأسباب ومنها المحاولات الأخيرة والمستميتة للتأكد من أنك لا تترك دراستك بسبب كرهك للالتزام الدراسي والذي ستواجهه في أي دراسة أخرى ولكن قد يكون السبب طبيعة المواد الدراسية والتي لا تتماشى مع رؤيتك الذاتية المستقبلية أو مهاراتك الحالية التي يمكن تنميتها بدراسة أخرى يمكن الالتحاق بها بشكل ما.

    وأيضاً لا تترك وظيفتك قبل أن تتأكد من أنك مستعد إما للعيش دون وظيفة لفترة والبحث عن عمل آخر بدون التأثير السلبي على حياتك بمختلف جوانبها وإما بعد البحث عن وظيفة أخرى قبل أن تتخلى عن وظيفتك الحالية ولكن بحث من لا سبيل له في العيش إلا عن طريق إيجاد وظيفة أخرى وليس البحث النمطي الذي نقوم به جميعاً في حالة الاستقرار في وظيفة ما والسعي فقط لوظيفة أفضل فشتان بين المنهجين. وإما أن تستمر في وظيفتك الحالية مع تخصيص جزء كبير من باقي يومك في التطوير الذاتي واكتساب المهارات والقدرات التي تساعدك إما في إيجاد وظيفة في وقت قصير أو البدء في مشروعك الخاص وهناك العديد من الأساليب والأدوات التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك ولكن العجيب أن هناك من يسعى لاكتساب وتعلم تلك الأدوات وهناك من يستسلم لوضعه السيئ والاستمرار في الشكوى يوماً بعد يوم ولا يعلم أنه لن يحدث أبداً جديد طالما لا يأتي هو في يومه بجديد.

    وقد تعلمت أن هناك العديد من الأدوات التي تساعد في تغيير الحياة للأفضل ومنها على سبيل المثال:

    1.   الأسئلة التحويلية الصادمة للذات مثل "هل أنا مستعد للاستمرار فيما أنا عليه حتى نهاية العمر؟" ويتبعه "ما يجب عليا البدء فيه للوصول إلى حياة أفضل؟" وليس "لماذا حالي هكذا؟" وغيرها من الأسئلة التي لا تؤدي إلا لمزيد من الإحباط والتكاسل والاستمرار في الفشل.

    2.   الاستفادة من تجارب الآخرين ممن تحرروا من سلاسل الحياة المفروضة إلى براح الحياة المرغوبة.

    3.   التأكد من أن ما نصل إليه في الحياة ما هو إلا نتاج ما نتخذه من قرارات وبالتالي ما نحن عليه اليوم هو نتيجة قراراتنا بالأمس وما سنكون عليه غداً هو نتيجة قرارات اليوم، فأحسن قراراتك.

    4.   انتقي جيداً من تستمع إلى نصائحهم فليس من الطبيعي أن نأخذ النصيحة ممن لم يحققوا ما نصبوا إليه ونترك من تميزوا فيه.

    5.   تبنى عقلية النمو والتي تسعى لإيجاد حلول وأفكار وتدعوا إلى بذل المجهود والتخلى عن عقلية الثبات التي تسعى لخلق الأعذار وتدعوا إلى الاستسلام والتكاسل.

    6.   التأكد من صلاحية البيئة المحيطة لما تسعى إليه والتعامل معها والتغيير فيها إن لم تكن بيئة داعمة ومحفزة فإن قوة الإرادة لا تنتصر دائماً.

    7.   الاستعانة بـ Coach من أهم الأدوات التي تساعد ليس فقط على وضوح الرؤية ولكن في تسريع عملية التغيير والوصول لما تطمح إليه فغالباً لا يتحول الشخص العادي إلى شخص مميز إيجابي بين ليلة وضحاها ولكن الالتزام تجاه شخص آخر هو السبيل الأضمن والأسرع لزيادة نسبة النجاح والتميز.

    8.   الإيمان بأن الطريق السهل ليس هو الاختيار الأفضل دائماً ولكن الطريق الصعب غالباً ما يكون الأصوب.

    9.   الإيمان بأن النتائج طويلة الأجل هي الهدف مهما كانت صعبة وأن النتائج قصيرة المدى هي الخدعة التي يقع فيها الكثير منا فنسعى لتحقيق متع سريعة لحظية على حساب نتائج مستدامة رائعة ولكن متأخرة ولنعلم أن البناء لا يحتاج فقط موارد ومجهود ولكن الوقت عامل أساسي لا يمكن تجاهله.

    10.                     وأخيراً وليس آخراً، التضحية بما هو ممتع وغير مفيد في رحلة التغيير مقابل ما هو غير محبب ولكنه ذو عائد وتعتبر هذه النقطة من أهم نقاط الوعي التي يجب أن يدركها كل من يريد أن يحقق ما لم يحققه من قبل فإن أردت الذهاب بعيداً في الحياة ورأيت سلاسل تعرقلك فلا تتردد أن تأخذ بالأسباب ثم تتركها وتتوكل.

     



    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن