في القطاع المصرفي: من الذي سيبقى على قيد الحياة بعد ثورة التكنولوجيا المالية؟

  •        بقلم د/ غادة عامر

     

    أن التأثير الكبير للثورة الرقمية بات واضحا على كل جانب من جوانب حياتنا ، من الطريقة التي نتفاعل بها مع الآخرين إلى كيفية مشاهدة التلفزيون أو الحصول علي المعلومات او التعلم أو العمل، او السفر او انجاز المهام المعقدة التي كان يصعب علينا القيام بها في الماضي. وهذا لا يختلف عن الطريقة التي تغير بها القطاع المصرفي ، فقد كان التغيير عميقاً و أثر في كل جانب من جوانب القطاعات المصرفية من أول الطريقة التي يدار بها العملاء إلى إدارة الاستثمارات الكبيرة.فمثلا من ضمن التغيرات القوية التي حدثت: الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، فقد كانت عملية نقل الأموال في السابق تتم عن طريق الذهاب إلى البنكأو عن طريق التحويلعبر الهاتف و هذا كلة يحتاج وقت و احيانا جهد، أما الان و مع أستخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، أصبح الامر سهلا و لا يتطلب الا إدخال بعض التفاصيل عبر الإنترنت للوصول إلى حسابك وعمل التحويلات او الاجراءات المطلوبهوإدارتها بسرعة ومن أي مكان في العالم تقريبًا، ليس هذا فحسب فهناكفائدة للبنكلأن المال يظل في البنوك مما يزيد من الاحتياطيات النقدية المحتملة والإيجابيات المالية التي يمكن أن يحققها ذلك.

    و ايضا من الخدمات التكنولوجية التي ظهرت:الاستثمار علي اساس البيانات، فمع ترسّخ الثورة الرقمية ، كان أحد التغييرات الرئيسية هو جمع البيانات من مصادر كثيرة و متنوعه، و يمكن حتي الحصول علي تحليل للبيانات من خلال مواقع مثل شبكات التواصل الاجتماعي، و نتيجة لزيادة و دقة البيانات أصبحت الاستثمارات التي تقوم بها البنوك أكثر دقة وبالتالي أكثر ربحية. ايضا من ضمن الخدمات المميزة التي قدمتها الثورة التكنولوجية مراقبة الحركات المصرفية و مراقبة العاملين في هذا القطاع، فقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة زيادة كبيرة في أعداد المصرفيين الذين يتم اعتقالهم ومعاقبتهم بسبب ممارسات غير قانونية، ايضا وفرت الثورة الرقمية القدرة على تتبع الإجراءات الشاذة او المريبة علي اي حساب، مثلا إذا ظهرمبلغ معين أو حركة تبدوغريبة على نظام البنك ، فسيتم وضع علامة عليها تلقائيًا، و منع التصرف بها الا بعد اجراءات علي مستويات عديدة، و  هذا بالتأكيد سيساعد في التقليل بشكل كبير من الأنشطة غير القانونية في مجال الصناعة المصرفية. ايضا زادت الثورة التكنولوجية من أمن حسابات العملاء- حيث أن أحد الجوانب الرئيسية لاستخدام البنك هو أن الناس يريدون الحفاظ على أموالهم آمنة- ولذلك برصد النشاط المريب علي بطاقات الائتمان أو بطاقات الخصم لمنع اي حالات سرقة.لذلك ينشأ النظام المصرفي خوارزميات لوضع علامة على الاحتيال المحتمل على بطاقات العملاء، أذ  يتم الاتصال بالعميل ويطلب منه المصادقة على أية مدفوعات تقع خارج المستوى المقبول،كأي شيء من الإنفاق المفرط اواستخدام البطاقة في بلد مختلف.

    و رغم كل هذة الميزات تحولت الثورة الرقمية من "تهديد وجودي" إلى "استراتيجية بقاء" لازمة للمؤسسات المالية، و اصبح حجم الاضطراب في الصناعة المصرفية غير مسبوق، حيث تشكل شركات التكنولوجيا المالية و التي يكون تكلفة انشائها منخفضة جدا بالنسبة لتكلفة الانظمة القديمة،خطرًا محتملًا يهدد البقاء و يختبر بشدة حدود الاعبين التقليديين وقدرتهم على الاستجابة للتغيرات السريعة لتوقعات العملاء في ظل وجود التكنولوجيا المالية.فمنذ فتره ليست بالقليلة تناقش القطاعات المصرفية التقليدية ما اذا كانت شركات التكنوولجية المالية مربحة ام لا، و اذا كانت مربحة ما هو أفضل مسار للعمل بها، و ما مدى السرعة التي سيتم بها تفكيك المعاملات المصرفية التقليدية و احلال المعاملات التكنولوجية الحديثة. على الرغم من وجود عدد من الخيارات الاستراتيجية والتحركات المحتملة ، إلا أنه  الي الان لم يتم تحديد المسار الصحيح، فبعض البنوك الكبيرة تقوم الان  ببناء حلول تكنولوجية خاصة بها ، في حين يقوم البعض الآخر بشراء fintech upstarts، و البعض الاخر يري أنه يمكن لمزودي الخدمات المصرفية المشاركة مع لاعبي التكنولوجيا أو فتح منصاتهم ومنح طرف ثالث إمكانية الوصول إلى عملائهم، و لكن قد تكون هناك خطورة في مثل هذة الاستراتيجية.أن اساس نجاح التعامل المصرفي يتجسد في أمرين لا ثالث لهما:الثقة ورضى العملاء، بالنسبة للثقة مازال يمتلك اللاعبون التقليديون هذة الميزة و لكن هذا لن يدوم طويلا، لكن بالنسة لخبرة و رضى المتعاملين، فللشركات التكنولوجيا المالية (رغم حداثتها) اليد العليا ففي كثير من الاحيان تتجاوز خدماتها توقعات العملاء.

    و بالرغم ان  المشكلة مع  الابتكارأنه لا يمكن التنبؤ بشكل القطاع المصرفي و لا العواقب المرتقبة، الا ان بعض الخبراء في مجال التكنولوجيا المالية قدموا توقعات جريئة حول كيفية ظهور نماذج الأعمال المصرفية في غضون خمس سنوات. فيتوقع خبراء القطاع المصرفي أنه بحلول عام 2020  سوف يرتكزالقطاع المصرفي بشكل أساسي من المنافسين التكنولوجيين وغير التقليديين، و أن الإقراض من نظير إلى نظير (P2P) سيكون متاحًا من خلال منصات مقدمي الخدمات المالية التكنولوجية ، وستكون الخدمات المصرفية للأفراد آلية بالكامل ، وسوف يتدفق المزيد من الأموال من خلال شركات التكنولوجيا الفائقة أكثر من البنوك التقليدية.

    أن هناك الان ضغوط كبيرة علي البنوك التقليدية بسبب تغيير سلوك العملاء في ظلالتكنولوجيا الحديثة، فمع ظهور شركات مثل آبل بايز وغيرها من الشركات يظهر خدمات مصرفية تناسب سلوك العملاء الجديدة. لذلك علي القطاع المصرفي القديم  التحول والتكيف أو الموت، فهناك ثلاث طرق رئيسية حسب ما قاله الكثير من المديرين الماليون: اولا تدريب الكوادر علي الحالية في التعامل مع التكنولوجيا الحديثية، تعين موظفين في مجال التكنولوجيا المالية لديهم القدرة علي التعامل مع التكنولوجيا المالية و علي الابتكار، تحديث القطاعات التكنولوجية و الخدمات المصرفية عبر البنك بما يناسب عقلية و احتياجات العملاء الجدد (خاصة جيل شبكات التواصل الاجتماعي)، طمئنة الكوادر القديمة ان الابتكار سوف ينشئ وظائف جديدة بالقدر الذي يلغي بعض الوظائف القديمة، و بالتالي ما  يحتاجة الموظف للبقاء هو التدريب علي التكنولوجيا وليس مقاومتها.فبالرغم أن التكنولوجيا هي تهديد تنافسي ، ولكنها أيضًا جزءًا من الحل. لذلك لابد أن يكون"الابتكار التكنولوجي او الاندثار"هو الشعار الجديد للصناعة المصرفية.

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن