عندما تعشق المشكلة يبدأ الابتكار !

  •        بقلم : د / غادة عامر

     

    كثيرا من أصحاب الافكار الجديدة لا تتحول افكارهم او النماذج الجديدة التي يقدمونها الي منتج قابل للتسويق ، و للاسف عندما يحدث هذا لا يفكرون و لو للحظه ان يرجعوا سبب عدم قبول السوق او المجتمع لابتكاراتهم لطريقة تفكيرهم. ان الابتكار من اجل الابتكار او من أجل تطبيق فكرة جائت الي ذهني شيء ممتع ، لكنه في معظم الاحيان غير مربح ، لان من يركز علي الحل او الفكرة يصعب عليه في معظم الاحيان أن يسوق فكرته او حتي يربط المجتمع بها، اما من يركز علي المشكلة و يكون متعاطف معها بكل حواسه يكون لدية القدرة علي توصيل مشاعرة و احاسيسه و التزامه بحل مشكلة ما الي كل المستهدفين، و بالتالي يستطيع أن يربط المجتمع او السوق بفكرته. و ابسط مثال أن كل رواد الاعمال الذين استطاعوا ان يفتحوا الاسواق لابتكاراتهم ، لم يركزوا علي بيع المنتج وحسب و انما علي فهم المشكلة التي يحتاجها السوق او العميل و مساعدته في حلها.

    فمثلا إيلون مسك الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي والمهندس المنتج لسيارات تسلا الكهربائية الذي  شرح ان السيارات الكهربائية سوف تعمل علي القضاء على مشكلة السحابة السوداء الناتجة عن الانبعاثات التى تنجم عن حرق الوقود فى السيارات العادية و ان انتشار السيارات الكهربائية سوف يؤدي أيضا إلى خفض أسعار الوقود كنتيجة لانخفاض الطلب عليه، و ريتشارد برانسون مؤسس مجموعة فيرجن الذي بدأ و عمره 16 عام بعمل مجله اطلق عليها اسم "الطالب" لعمل مقابلات مع المشاهير و ذلك لحل مشكلة شغف المراهقين للوصول  الي أخبار المشاهير، و رئيس موقع أمازون جيف بيزوس ، الذي يتصدر المرتبة الأولى على قائمة فوربس لمليارديرات العالم، الذي كان هدفة حل مشكلة عدم توفر الكتب بسهولة لذلك قام بعمل أكبر مكتبة افتراضية، و مارك زوكربيرج و ستيف جوبز و بل جيتس و جاك ما و غيرهم من رواد الاعمال الناجحين،  ما الذي يجمع هؤلاء الاشخاص الناجحين بدرجة الخيال؟ هل انهم سحرة، أو أنهم اناس خارقين ، هل لديهم قوى الاهية تمنحهم ميزة لابتكار منتجات أو خدمات تجعلهم في قائمة أغنى اغنياء العالم؟ أم أنهم جميعا مثلنا و لكن الفرق الوحيد انهم جميعا ركزوا علي المشاكل لا علي تقديم منتج او فكره جديدة.

    مثلا: لقد واجهة الدول النامية مشكلة ان مليوني طفل يولدون قبل الأوان كل عام، و كل ما يتطلبه الأمر لانقاذ هؤلاء الاطفال و هو وضعهم اسبوع واحد في مكان جيدة التدفئة،  ففكر العلماء ان اي حاضنة رخيصة وفعالة ممكن أن تكون الحل، فقاموا بتصميم حضانات مناسبة (من وجهة نظرهم) ، و فعلا وضعوا عدد كبير منها  في المستشفيات المحتاجة، و لكن عند وضع الحضانات اكتشفوا مباشرة أن فكرتهم لم تكن صحيحة، و لم يتم انقاذ هؤلاء الاطفال، لقد كانت فكرة الحاضنة الجديدة فكرة عظيمة ولكنها سرعان ما سقطت عندما خرجت للواقع، لانه سرعان ما اكتشف العلماء أن عدداً كبيرا جدا من السيدات لا يفضلن الولادة في المستشفيات و ان عدد قليلا جدا ممن ينجبون داخل المستشفيات يقبلن وضع اطفالهن في الحضانه ، و بالتالي بقيت الحاضنات فارغة يملئها التراب و بقي الاطفال يعانون !!!

    لقد أدى التركيز على فكرة إلى إضلالهم، لانه لم تكن المشكلة في كيفية تصميم نوع جديد من الحاضنات الرخيصة، بل كانت كيفية إبقاء الأطفال المبتسرين أحياء في بلدان نامية لها ظروف و عادات مختلفة عن المجتمعات التي ينتمي اليها من صمموا الحاضنات الجديدة.، لذلك عندما قام فريق العمل بالتركيز علي المشكلة و ليس الفكرة قدموا منتج جديد رائد: كيس نوم ساخن يظل دافئا بدون كهرباء، يمكن توزيعة علي منازل الاطفال و استخدامه بسهولة، و بعد سبع سنوات ، أنقذ مئات الآلاف من الأرواح.

    لذلك لكي تقدم ابتكار مربح عليك أن تكون واضحًا تمامًا بشأن المشكلة التي تحاول حلها، فأهم إحدى التقنيات لوصول بابتكارك الي السوق، هي صياغة الرؤية الذي توضح ما سيبدو عليه العالم بعد أن تحل فكرتك المشكلة، على سبيل المثال، إذا كنت تحاول حل مشكلة خطوط الأمن الطويلة في المطارات ، فقد تكون رسالتك باختصار: "لن ينتظر أي مسافر أكثر من خمس دقائق للحصول على الأمان". و بالتالي ربط السوق و المجتمع بشكل مباشر و واضح و سهل تذكره بأهمية فكرتك.

    لذلك عندما أقوم أنا بتحكيم فكرة جدبدة او ابتكار او منتج جديد، أسأل أصحابهم أولاً: "ما المشكلة التي تود حلها؟ (ما هو نموذج العمل البسيط لديك) و من الذي تحل هذه المشكلة من أجله؟ (من - وكم عددهم تقريبا - وكيف ستصل إليهم) ، وأخيرا هل انت واثق انه مهتمون بحل تلك المشكلة؟ (هل هم على استعداد لدفع ثمن الحل الخاص بك؟)، هذه أسئلة مهمة يجب على كل صاحب فكرة او ابتكار او اي رائد أعمال  أن يكون جاهزًا للإجابة عنها بسرعة وبإختصار وببيانات حقيقية.

    أن وجود سبب واضح لقيامنا بأي شيء يساعدنا الابداع و الابتكار أكثر، و يحفزنا علي العمل و علي تحمل المخاطر من أجل حلة مشكلة لفرد او مجتمع ما،  و هذا ما يعجل  بنجاح فكرتنا، اي ان السر في نجاح اي ابتكار او فكرة او حتي عمل هو ربطه بخدمة المجتمع بكل طوائفة ، و هذا ما أكده ديننا الحنيف منذ أكثر من 1439 عاما بقولة تعالي " فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ "

     

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن