الابتكار بين البروقراطية و المتفذلكين!

  •  

    بقلم : د/ غادة عامر

    تم وصف معظم الدول العربية و خاصة مصرعلي أنهم يمتلكون عبقرية البيروقراطية، و اعتقد اننا جميعا لمسنا هذا الامر، فعبقرية البيروقراطية كانت و لا زالت تتجلى بتألق لامع في أي مكان في الجهاز الحكومي ، بما في ذلك الجامعات مراكز البحوث العلميه. و المشكلة أن البعض يعتقد أنه بإمكانهم خلق بيئة محفزة الابتكار من خلال هذا التنظيم البيروقراطي، الذي ولد مع مرور الزمن الطبيقية الوظيفية و المحسوبية و الشخصيات المتفذلكة " مدعية العلم" الفاسدة، التي تخفي جهلها بايذاء الاخر و التحكم في اي حق له، بل و يمتد جهلها و فسادها بان تتهم اي احد يظهر ضعفها و قلة علمها بانه هو المتفذلك الذي لا يمتلك العلم !!!!  

    ان الكثير ممن يعمل في مجال البحث العلمي و الابتكار الوطني و ريادة الاعمال يعرف انه بعد 4 سنوات من اتخاذ القيادة السياسية الخطوات الأولى نحو إنشاء بلد أكثر مرونة وديناميكية لدفع عجلة التنمية و الاقتصاد القائم علي المعرفة، فإن الكثير من الجهات الحكومية و خاصة ذات الصلة المباشرة بتنمية الابتكار الوطني و دعم الباحثين و المبتكرين مازالت تقف كواحد من أكبر معاقل السوفيت القديمة  المشبع بمبادئ البروقراطية و الطبقية و الفساد الادراي.

    و ما يثير الاعجاب و الاندهاش في نفس الوقت، ان معظم ما قامت به بعض الجهات المنوط بها دعم الابتكار من جامعات و مراكز بحوث و جهات حكومية، هو عمل نظام عرفي داخلي جديد يعمل علي حماية الأفراد ذوي الأداء الضعيف، ويضمن إلحاق الأذى بالأفراد الذين لديهم مخرجات متميزة او افكار ابتكارية او لهم سجل عمل محترم. فأي شخص يجتهد و يحاول ان يقدم شيء جديد و خاصة من الشباب او الاشخاص اصحاب السيرة الذاتية الحسنة الموثقة، الذين يمتلكون فقط العلم و العمل و ليسوا من طبقة المحسوبية ، يمكن ان يجدوا انفسهم و اعمالهم محل تسفيه!

    مع ان الان و مع وجود التكنولوجيا الحديثة لا يمكن لأحد أن يختيئ، كما كان يحدث في السابق ، الان يمكن قياس اداء اي فرد و ما قام به من أعمال بضغطة زر واحدة علي اي جهاز متصل بالشبكة العنكبوتية. و لكن يبدو انه مازال يعتقد البعض ان نظامهم القديم الذي كان يستخدم لوضع الافراد في مجموعات (الشللية) يمكن استخدامه للدفاع عن العجز العلمي و الفساد الاداري و المالي لاي فرد ينتمي لهذة المجموعه، وأنه مازال يمكن ان يساعدهم في وضع الجميع في صناديق البيروقراطية حتى لو كانت هذه الصناديق لا تصف العالم الحقيقي الان. 

    المشكلة الحقيقية ليس في النظم و القواعد و القوانين الحكومية و انما في القبضة الاستثنائية التي يتمتع بها بعض الاشخاص، الذين يمتلكون قوة مصدرها خوف الباقي من ايذائهم،  فتجد هؤلاء يصدرون الاوامر و الاحكام، ثم يتتبعها بل و يؤيدها البعض بخنوع، لانه يخوف بانه سوف يعاقب و يدمر اذا حاول انتقاد اي فساد او قرار من هذة المجموعه.  فتجد معظم من يعمل في مجال البحث العلمي و الاكاديمي يفضل الاجتماع في الزوايا البعيدة والتعبير عن ارائهم و انتقاداتهم و مخاوفهم في همسات غير مسموعه. 

    أن القوة البيروقراطية و من نتج عنها من متفذلكين  تستنزف كل المحاولات لدعم نهوض البلد بالاقتصاد القائم علي المعرفة، وتمنع الابتكار وتلحق الضرر بروح رائد الأعمال الذي يعتمد عليه التقدم الاقتصادي والفكري في اي بلد متقدم. لذى إذا كان لهذا البلد أن يكون له حياة اقتصادية و فكرية قوية ، فإن الشرط الأول هو أن افراده و باحثيه و مبتكريه يجب ألا يكونوا ذليلين، و ذلك لانه بازدياد البيروقراطية في بعض الجامعات و المراكز البحثية و الجهات الحكومية  ، ازدادت كمية الخدمية و الاذلال. و أن يتعلم كل من يصل الي درجة علمية ان من حق الاخر ان يقول فكره، و هذا لا يمكن أن يحدث إلا عندما نحترم سلامة النشاط الفردي و نضمن حرية اختيار الافكار و البحوث و ان يستطيع الباحث و صاحب الفكرة ان يختار من يعمل معه و حتي من يشرف عليه ، وعندما يتم الاعتراف بأن الابتكار يتطلب فكر جديد و اسلوب اداري وروح جديدة . و عندما يتعلم بعض المتفذلكين ان لا يتبنى سلوك المتعصبين بان يغير الموضوع و كأن انتقاد خطأه و اسلوبه انتقاد لشخصة بدلا من ان يغير اسلوبه و يصحح فكره ، فكما قال ونستون تشرشل ، "المتعصب هو الشخص الذي لا يستطيع تغيير رأيه ولكن يغير الموضوع".

    و اذا ارادة الدولة حقا ان تدعم الابتكار الوطني و ريادة الاعمال، فيجب على القادة  فهم وإدراك أن البُنى البيروقراطية الجامدة لكل ما له صلة بالبحث العلمي و الابتكار الوطني بما فيهم الجامعات و مراكز البحوث المعاصرة هي أكبر العقبات التي تحول دون تحقيق التميز الفكري الحقيقي داخل المجتمع . و الخوف ان يكون البعض داخل هذة الهيئات قد تجاوزت نقطة اللاعودة ولا يمكن إصلاحه.

    ربما حان الوقت الذي نحتاج فيه للتفكير في بدائل لبعض الانظمة البروقراطية الجامدة حتي لو تم عمل نظام موازي من الصفر كما فعلت دول كثيرة منها دولة الامارات و موزمبيق وتنزانيا و المكسيك، و خلق نظام جديد بعيد عن النظام القديم المتهالك ، يضمن نمو الافكار و يحتضن اصحاب الهمم و العزائم من اي فئة في المجتمع ، نظام يفهم و يعي اهمية دعم الابتكار الوطني و امتلاك المعرفة للامن القومي، نظام يقوم علي الشفافية و حرية الافكار ، نظام يعمل علي تحسين القدرة التنافسية العالمية عبر رفع القدرة التنافسية المحلية، نظام يسخر المهارات والمعرفة والطاقة الكامنة لدى جميع المواطنين، لا بين موظفي الحكومة و الاكاديميين فحسب، نحتاج إلى نقاش عام متحضر وإلى بعض التفكير الإبداعي المبتكر حول كيفية جعل حياتنا الفكرية أكثر حيوية وديناميكية حتي لا يتم سحقنا من قبل البيروقراطية  و مدعي العلم " المتفذلكين".

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن